وقد اعتنى الذهبي في " السير " بكل أنواع النقد ، فلم يقتصر على مجال
واحد من مجالاته ، فقد عني بنقد المترجمين ، وتبيان أحوالهم ، وأصدر
أحكاما وتقويمات تاريخية ، وانتقد الموارد التي نقل منها ، ونبه إلى أوهام
مؤلفيها ، وبرع في إصدار الاحكام على الأحاديث إسنادا ومتنا ، وسحب ذلك
على الروايات التاريخية .
1 - نقد المترجمين :
يقوم نقد المترجم عند الذهبي عادة على إصدار حكم في الرجل وتبيان
حاله جرحا أو تعديلا ، ويكون ذلك في الأغلب بإيراد آراء الثقات المعاصرين
فيه وأحكامهم على وانطباعاتهم الشخصية عنه مما تحصل لديهم نتيجة
لصلتهم به ، ومعرفتهم بعلمه وسيرته . وفي مثل هذه الحال قد يكتفي
بآرائهم ، أو يرد عليها ، أو يرجح رأيا منها ، وتكون نتيجة التعديل أو التجريح
إصدار أحكام بعبارات فنية لها دلالاتها الدقيقة جدا نحو " ثقة " و " صدق " ،
و " وصويلح " ، و " دجال " ، و " متروك " ، و " كذاب " ، و " مجهول " ، وما إلى ذلك
مما فصله في مقدمة كتابه النفيس " ميزان الاعتدال " .
وكانت الغاية الأساسية من نشوء هذا النقد هو تبيان أحوال رجال الحديث
لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه ، لكننا وجدنا الذهبي في الوقت نفسه
يسحبه على معظم المترجمين في كتابه هذا وغيره من الكتب وإن لم يكونوا
من المحدثين ، بل سحبه إلى مترجمين لا علاقة لهم بالرواية أيا كانت .
وقد أدى هذا الامر إلى اعتراض بعض معاصريه عليه في عنايته الكبيرة
باعتبار أن الدواعي التي دعت إلى قيام النقد عند المتقدمين هي الوصول إلى
تصحيح الحديث النبوي الشريف ، وأن الحديث قد استقر في الكتب الرئيسة
سير أعلام النبلاء — صفحة مقدمة الكتاب 119
مساهمون: الذهبي
صمقدمة الكتاب ١١٩