والحق أن الذهبي لم ينظر إلى أمثال هؤلاء بالمنظار الذي نظر به إلى
الرواة وأشباههم في الأغلب ، بل نظر إلى كل طائفة منهم بمنظار يختلف عن
الآخر ، وهي مسألة قلما انتبه إليها الباحثون ، فوقعوا بآفة التعميم ، وخرجوا بما
ظنوا أنه حقيقة ، فذكروا أن المؤرخين المسلمين المتأثرين بالحديث الشريف
وعلومه نظروا إلى جميع الناس بمنظار واحد هو منظار الحديث والمحدثين .
وقد استطاع الذهبي في " السير " وغيره أن ينظر إلى كل طائفة منهم بمنظار آخر
كون في الأغلب صورة لجماع رأيه في المترجم .
إن تعدد المناظير هذا جعل آراء الذهبي في المترجمين تبدو لأول وهلة
متناقضة مضطربة ، نحو قوله في ترجمة صدقة بن الحسين الحداد المتوفى
سنة 573 ه " العلامة . . الفرضي المتكلم المتهم في دينه " ( 1 ) ، فهو هنا قد
فرق بين علم الرجل ودينه ، وأعطى لكل ناحية تقويما خاصا . ومن ذلك قوله
في ترجمة الشهاب السهروردي المقتول سنة 587 ه : " العلامة
الفيلسوف . من كان يتوقد ذكاء ، إلا أنه قليل الدين " ثم علق الذهبي على
افتاء علماء حلب بقتله ، بقوله : " أحسنوا وأصابوا " ، وأنه " كان أحمق طياشا
منحلا ( 2 ) " ، ومثل هذا كثير .
وهذا الاختلاف في المناظير وتعددها عند الذهبي جعله يراعي في كل
طائفة صفات معينة بصرف النظر عن اتفاقه أو اختلافه معهم ، فكان ينظر إلى
الخلفاء والملوك والوزراء وأرباب الولايات مثلا من زاوية الحزم والدهاء ،
والقوة والضعف ، والسياسة ، والظلم والعدل ، وحب العلم والعلماء ونحوها ،
هامش
( 1 ) السير : 21 / الترجمة : 21 .
( 2 ) السير : 21 / الترجمة : 99 .