وفيه : عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
إني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي : الثقلين ، وأحدهما
أكبر من الآخر ، كتاب الله ، حبل ممدود من السماء إلى الأرض ،
وعترتي ، أهل بيتي ، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض .
ورواه أحمد من عدة طرق .
وفي صحيح مسلم في موضعين ، عن زيد بن أرقم ، قال : خطبنا
رسول الله صلى الله عليه وآله بماء يدعى " خما " ، بين مكة والمدينة ، ثم قال بعد
الوعظ : أيها الناس ، إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي ، فأجيب ،
وإني تارك فيكم الثقلين ، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا
بكتاب الله ، واستمسكوا به ، فحث على كتاب الله ورغب فيه ، ثم قال :
وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ،
أذكركم الله في أهل بيتي ( 1 ) .
هامش
( 1 ) مسند أحمد ج 5 ص 181 ، ج 4 ص 366 وصحيح مسلم في كتاب الفضائل ج 4 ص 110
أقول : لا يهمنا التحقيق في سند " حديث الثقلين " ، لأنه مما لا يرتاب في تواتره ، ونكتفي
بكلام المناوي في فيض القدير ج 3 ص 14 حيث قال : " قال السمهودي : وفي الباب
ما يزيد على عشرين من الصحابة " ، وبكلام ابن حجر في الصواعق ص 136 ، حيث قال :
" اعلم أن لحديث التمسك بذلك طرقا كثيرة ، وردت عن نيف وعشرين صحابيا ، وفي
بعض تلك الطرق ، أنه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة ، وفي أخرى أنه قال بالمدينة في مرضه .
وقد امتلأت الحجرة بأصحابه ، وفي أخرى أنه : قال ذلك بغدير خم ، وفي أخرى أنه لما
قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف كما مر ، ولا تنافي إذ لا مانع من أنه كرر عليهم ذلك
في المواطن وغيرها ، اهتماما بشأن الكتاب العزيز ، والعترة الطاهرة " .
وقال في وجه دلالة الحديث : " تنبيه : سمى رسول الله صلى الله عليه وآله القرآن وعترته وهي
بالمثناة الفوقية : الأهل والنسل ، والرهط الأدنون ثقلين ، لأن الثقل كل نفيس خطير
مصون ، وهذان كذلك ، إذ كل منهما معدن للعلوم الدينية ، والأسرار والحكم العلية
والأحكام الشرعية ، ولذا حث صلى الله عليه وآله على الاقتداء والتمسك بهم ، والتعلم منهم ، وقال :
" الحمد لله الذي جعل الحكمة فينا أهل البيت " ،
وقيل : سميا ثقلين لثقل وجوب رعاية حقوقهما ، ثم الذين وقع الحث عليهم منهم ، إنما
هم العارفون بكتاب الله ، وسنة رسوله ، إذ هم الذين لا يفارقون الكتاب إلى الحوض ،
ويؤيده الخبر السابق : " لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم " ، وتميزوا بذلك عن بقية العلماء ،
لأن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وشرفهم بالكرامات الباهرة ، والمزايا
المتكاثرة ، وقد مر بعضها ، وسيأتي الخبر الذي في قريش : " وتعلموا منهم فإنهم أعلم
منكم " ، فإذا ثبت هذا لعموم قريش ، فأهل البيت أولى منهم بذلك ، لأنهم امتازوا عنهم
بخصوصيات لا يشاركهم فيها بقية قريش .
وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى
يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك ، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض كما يأتي ،
ويشهد لذلك الخبر السابق : " في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي إلى آخره " ،
ثم أحق من يتمسك به منهم إمامهم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، لما قدمنا من مزيد
علمه ودقائق مستنبطاته ، ومن ثم قال أبو بكر : علي عترة رسول الله صلى الله عليه وآله أي الذين
حث على التمسك بهم ، فخصه لما قلنا ، وكذلك خصه صلى الله عليه وآله بما مر يوم غدير خم والمراد
بالعيبة والكرش في الخبر السابق آنفا : أنهم موضع سره وأمانته ، ومعادن نفائس معارفه ،
وحضرته ، إذ كل من العيبة والكرش مستودع لما يخفى فيه ، مما به القوام والصلاح ، لأن
الأول يحرز فيه نفائس الأمتعة ، والثاني مستقر الغذاء الذي به النمو ، وقوام البنية .
( إنتهى ما أردنا من كلامه ) وحديث : " ألا إن عيبتي وكرشي أهل بيتي " قد ورد مستفيضا .