فأي عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني ، والتقرب إلى الله تعالى بامتثال
أوامر من كان يفسق طول وقته ، وهو غائص في القيادة وأنواع الفواحش ،
ويعرض عن المطيعين ، المبالغين في الزهد والعبادة ، وقد أنكر الله تعالى
ذلك بقوله : " أمن هو قانت آناء الليل ، ساجدا وقائما ، يحذر الآخرة ،
ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ،
إنما يتذكر أولوا الألباب " ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الزمر : 9 قال ابن حجر في الصواعق المحرقة ص 11 : أخرج البغوي ، بسند حسن ،
عن عبد الله بن عمر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : " يكون خلفي اثنا عشر
خليفة ، أبو بكر لا يلبث إلا قليلا ، قال الأئمة صدر هذا الحديث مجمع على صحته " . إنتهى .
أقول : فعلى هذا يكون ذيله ملحقا ومجعولا ، إلا أن أحاديث : " إن خلفائي اثنا عشر " ،
عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، غير قابلة للترديد عند فرق المسلمين .
وقد حاول علماء أهل السنة توجيهها وتأويلها ، فقال ابن حجر : قال القاضي عياض :
لعل المراد ب : ( اثنا عشر ) في هذه الأحاديث ، وما شابهها : أنهم يكونون في مدة عزة
الخلافة ، وقوة الإسلام ، واستقامة أموره ، والاجتماع على من يقوم بالخلافة . وقد وجد
هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية ، ووقعت بينهم الفتنة زمن
وليد بن يزيد .
وقال : قال شيخ الإسلام في فتح الباري : كلام القاضي هذا أحسن ما قيل في هذا الحديث ،
وأرجحه ، لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة ( كلهم مجتمع عليه الناس ) والمراد
باجتماعهم : انقيادهم لبيعته . والذي اجتمعوا عليه : الخلفاء الثلاثة ، ثم علي . . إلى أن
وقع أمر الحكمين في صفين ، فتسمى معاوية يومئذ بالخلافة ، ثم اجتمعوا عليه عند صلح
الحسن ، ثم على ولده يزيد ، ثم اجتمعوا على عبد الملك ، ثم على أولاده الأربعة الوليد ،
فسليمان ، فيزيد ، فهشام ، فهؤلاء سبعة ( معاوية ومن بعده ) بعد الخلفاء الراشدين ،
والثاني عشر : الوليد بن يزيد بن عبد الملك ( الصواعق المحرقة ص 12 باختصار ) .
وقال ابن حجر : " اعلم أن أهل السنة اختلفوا في تكفير يزيد بن معاوية ، وولي عهده
من بعده ، فقالت طائفة : إنه كافر لما هو المشهور : أنه لما جاءه رأس الحسين ( ع ) جمع
أهل الشام ، وجعل ينكت رأسه بالخيزران ، وينشد أبيات ابن الزبعري : ليت أشياخي
ببدر شهدوا . . . الأبيات المعروفة ، وزاد فيها بيتين مشتملين على صريح الكفر . . ( إلى
أن قال ) فلا نتعرض لتكفيره أصلا ، لأن هذا هو الأحرى والأسلم . والقول بأنه مسلم ،
فهو فاسق شرير ، سكير ، جائر " . ( الصواعق ص 131 و 132 ) .
بل إمامة الفاسق الجائر كادت أن تكون من أصول مسألة الإمامة عند أهل السنة ، كما
قال الباقلاني في ( التمهيد ص 186 ) : " قال الجمهور من أهل الاثبات ، وأصحاب
الحديث : لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه ، بغصب الأموال ، وضرب الأبشار ، وتناول
النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه . . . إلى
آخر ما قال " .
وقريب منه ما قاله التفتازاني في شرح المقاصد ج 2 ص 71 و 272 ، وما قاله النووي
في شرح مسلم ، هامش إرشاد الساري ج 8 ص 36 . ( وليراجع : الغدير ج 7 ص
136 و 139 ) .
وقد صرح مشاهير علماء أهل السنة ، في تفسير الآية الكريمة : " وما جعلنا الرؤيا التي
أريناك إلا فتنة للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا "
( الإسراء : 60 ) - صرحوا - : يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله : أن المراد من قوله
تعالى : " والشجرة الملعونة في القرآن " هو بنو أمية ، ذكره السيوطي في تفسيره ج 4
ص 191 ، والحلبي في سيرته ج 1 ص 217 ، وفي هامشه زيني دحلان في السيرة النبوية
ج 1 ص 226 ، والقرطبي في تفسيره ج 10 ص 186 ، والآلوسي في تفسيره ج 15
ص 107 ، وقال ما معناه : " ومعنى جعل ذلك فتنة للناس : جعله بلاء لهم ومختبرا ،
وبذلك فسره ابن المسيب ولعل هذا الاختبار والابتداء كان بالنسبة إلى خلفائهم بني أمية
الذين فعلوا ما فعلوا ، وعدلوا عن سنن الحق ، وما عدلوا . . . ثم عقبه بذكر من عد الخلفاء
ممن كان من أعوانهم ، المرتكبين لأعظم الخبائث والمنكرات .
ويحتمل أن يكون المراد : ما جعلنا خلافتهم أو ما جعلناهم أنفسهم إلا فتنة ، وفيه من
المبالغة في ذمهم ما لا يخفى ، وجعل ضمير " نخوفهم " على هذا لمن كان منهم له أولاد منهم
وعم التعبير للشجرة : باعتبار أن المراد بها بنو أمية ، وقد لعنهم لما صدر منهم من استباحة
الدماء المعصومة ، والفروج المحصنة ، وأخذ الأموال من غير حلها ، ومنع الحقوق عن
أهلها ، وتبديل الأحكام ، والحكم بغير ما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة
والسلام ، إلى غير ذلك من القبائح العظام ، والمخازي الجسام ، التي لا تكاد تنسى ،
ما دامت الليالي والأيام .
وجاء لعنهم في القرآن ، إما على الخصوص كما زعمه الشيعة ، أو على العموم كما نقول ،
فقد قال سبحانه وتعالى : " إن الذين يؤذون الله ورسوله ، لعنهم الله في الدنيا والآخرة "
وقال عز وجل : " فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض ، وتقطعوا أرحامكم .
أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم " ، وغير ذلك من الآيات .
ودخولهم في عموم ذلك يكون دخولا أوليا " انتهى كلام الآلوسي ، فراجع روح البيان .
وقال الحافظ سليمان القندوزي الحنفي ، في كتابه ( ينابيع المودة ) ص 446 طبع استانبول
سنة ( 1302 ) : " قال بعض المحققين : إن الأحاديث الدالة على كون الخلفاء بعده صلى
الله عليه وآله وسلم اثنا عشر ، قد اشتهرت من طرق كثيرة ، فبشرح الزمان ، وتعرف
الكون والمكان ، علم أن مراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديثه هذا : الأئمة
الاثنا عشر من أهل بيته وعترته ، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من
أصحابه ، لقلتهم عن اثني عشر ( وهم أربعة ) ولا يمكن أن يحمله على ملوك الأموية ،
لزيادتهم على اثني عشر ( وهم ثلاثة عشر ) ، ولظلمهم الفاحش ، إلا عمر بن عبد العزيز
ولكونهم غير بني هاشم ، لأن النبي صلى الله عليه وآله قال : " كلهم من بني
هاشم " في رواية عبد الملك عن جابر . وإخفاء صوته صلى الله عليه وآله في هذا القول يرجح هذه
الرواية ، لأنهم لا يحسنون خلافة بني هاشم ، ولا يمكن أن يحمله على الملوك العباسية ،
لزيادتهم ( وهم خمسة وثلاثون ) على العدد المذكور ، ولقلة رعايتهم الآية : " قل
لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى " ، وحديث الكساء ، فلا بد من أن يحمل هذا
الحديث على الأئمة الاثني عشر من أهل بيته وعترته صلى الله عليه وآله ، لأنهم كانوا أعلم أهل زمانهم ،
وأجلهم ، وأورعهم ، وأتقاهم ، وأعلاهم نسبا ، وأفضلهم حسبا ، وأكرمهم عند الله ،
وكان علمهم عن آبائهم متصلا بجدهم صلى الله عليه ( وآله ) وسلم ، وبالوراثة واللدنية ،
كذا عرفهم أهل العلم والتحقيق ، وأهل الكشف والتوفيق . ويؤيد هذا المعنى : أي مراد
النبي صلى الله عليه وآله : الأئمة اثنا عشر من أهل بيته ، ويشهده ، ويرجحه ، " حديث الثقلين " ،
والأحاديث المتكثرة المذكورة في هذا الكتاب وغيرها ، وأما قوله صلى الله عليه وآله : كلهم يجتمع
عليه الأمة في رواية جابر بن سمرة ، فمراده صلى الله عليه وآله : أن الأئمة يجتمع على الاقرار بإمامة
كلهم وقت ظهور قائمهم المهدي رضي الله عنهم .
وروي في ذلك الكتاب ص 445 عن ابن عباس ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول :
أنا ، وعلي ، والحسن ، والحسين ، وتسعة من ولد الحسين ، مطهرون معصومون .
وقال : وأيضا أخرجه الحمويني .
وقال تعالى : " أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف
تحكمون " يونس 35
وإن إجماع الأمة على إمامتهم ، وغلبة الدين على الأديان الباطلة ، من الأمور التي وعد الله
بها ، والله لا يخلف الميعاد ، قال تعالى : " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ، والله
متم نوره ولو كره الكافرون ( 8 ) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على
الدين كله ولو كره المشركون " الصف : 9 .