يجعل مثل هؤلاء وسائط بينه وبين ربه ؟ وهل تتم له المحاجة عند الله تعالى
بأني اتبعت هؤلاء ؟ ولا يسأل يومئذ كيف قلدت من تعلم بالضرورة
بطلان قوله ؟ وهل سمعت تحريم التقليد في الكتاب العزيز مطلقا ؟ فكيف
لأمثال هؤلاء ؟ فما يكون جوابه غدا لربه ؟ " وما علينا إلا البلاغ المبين " ( 1 ) ؟
وقد طولنا في هذا الكتاب ليرجع الضال عن زلله ، ويستمر المستقيم على
معتقده .
المتولد من الفعل من جملة أفعالنا
المطلب السادس عشر : في التولد .
ذهبت الإمامية إلى أن المتولد من أفعالنا مستند إلينا .
وخالفت أهل السنة في ذلك ، وتشعبوا في ذلك ، وذهبوا كل مذهب ،
فزعم معمر ( 2 ) : أنه لا فعل للعبد إلا الإرادة وما يحصل بعدها فهو من
طبع المحل ، وقال بعض المعتزلة : لا فعل للعبد إلا الفكر ( 3 ) . وقال
النظام ( 4 ) : لا فعل للعبد إلا ما يوجد في محل قدرته ، وما يجاورها . فهو
واقع بطبع المحل .
وذهبت الأشاعرة : إلى أن المتولد من فعل الله تعالى ( 5 ) .
وقد خالف الكل ما هو معلوم بالضرورة عند كل عاقل ، فإنا نستحسن
المدح والذم على المتولد ، كالمباشر ، كالكتابة ، والبناء ، والقتل ، وغيرها .
وحسن المدح والذم فرع على العلم بالصدور عنا ، ومن كابر في حسن
هامش
( 1 ) اقتباس من الآية : 17 في سورة يس .
( 2 ) الملل والنحل ج 1 ص 67 ، وهو من رؤساء المعتزلة .
( 3 ) وهو ثمامة بن أشرس ، المتوفى سنة 213 ( راجع الفرق بين الفرق ص 103 ، والملل
والنحل ج 1 ص 71 ) .
( 4 ) الملل والنحل - ج 1 ص 55 .
( 5 ) الملل والنحل ج 1 ص 98 ، والفصل لابن حزم ج 5 ص 59 .