الرسول جمعا ليس لهم قدرة الكتابة بقوله : " لا تكتبوا " .
وقد ثبت في التاريخ وجود كتاب ، كزيد بن ثابت وعلي بن أبي طالب
وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم ، ونحن قد
أوصلنا عدد هؤلاء الكتبة في كتابنا وضوء النبي المجلد الثاني إلى 54 شخصا ،
وعليه فالكتابة كانت موجودة عند العرب ، ويضاف إليه وجود نيف وثلاثين
كاتبا - وفي آخر أربعين كاتبا - للرسول يحسنون الكتابة ، وقد كتبوا إلى
الرؤساء والملوك ، وأن الإسلام كان يدعو إلى الكتابة وتعلمها .
إذن ، الكتابة كانت في حالة ازدياد ، فلا يمكن عزو إهمال الحديث إلى قلة
الكتاب ، لأن الكتبة كانوا في حالة ازدياد لا نقصان !
أما ندر أدوات الكتابة ، فهو الآخر لم يكن بالشئ القليل ، فالذين كتبوا
ودونوا القرآن كان يمكنهم أن يكتبوا الحديث في تلك الأدوات التي كتبوا فيها
القرآن ، كالعسب والقتاب والأكتاف وقطع الأديم وما شابه ذلك .
وبهذا فقد عرفنا عدم إمكان قبول تعليل ابن قتيبة وابن حجر .
ونحن نترك الكلام عن الأسباب الأخرى ( 1 ) من أجل ضيق الوقت ،
ونكتفي بالإشارة إلى ما قاله غالب كتاب الشيعة وما توصلنا إليه .
هامش
1 - لما قرر المركز طبع هذه المحاضرة رأينا من الضروري أن نطلب من سماحة السيد
الإشارة إلى الأسباب الأخرى التي تركها لضيق الوقت مختصرا ، ليتكامل البحث ولا
يحس المطالع بالإخلال فيه ، فقال :
السبب الرابع :
ما ذهب إليه السمعاني والقاضي عياض
قال السمعاني : كانوا يكرهون الكتابة أيضا ، لكي لا يعتمد العالم على الكتاب ،
بل بحفظه . . . فلما طالت الأسانيد وقصرت الهمم رخصت الكتابة .
وقال مثله القاضي عياض في ( الإلماع في أصول الرواية وتقييد السماع ) .
أما الشيخ أبو زهو والشيخ عبد الخالق عبد الغني فقد أرجعا الأمر ونسباه إلى
رسول الله وقالا : إن رسول الله - وحفاظا على ملكة الحفظ عند العرب - نهاهم عن
الكتابة ، لأنهم لو كتبوا لا تكلوا على المكتوب وأهملوا الحفظ فتضيع ملكاتهم بمرور
الزمن [ الحديث والمحدثون : 123 ، حجية السنة : 428 ] .
وهذا الكلام باطل صغرى وكبرى :
أما الصغرى ، فلوجود عدة من الصحابة لا يملكون هذه المقدرة ، كما جاء عن
المتشددين في الحديث الذين لا يرتضون التحديث ، أمثال سعد بن أبي وقاص
وعبد الله بن مسعود وغيرهما ، خوفا من أن يزيدوا أو ينقصوا .
وجاء عن زيد قوله : كبرنا ونسينا والحديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شديد ، وهذه
النصوص تؤكد لنا سقم المدعى .
ويضاف إليه أنه جاء عن عمر أنه حفظ سورة البقرة في اثني عشر عاما ولما
حفظها نحر جزورا [ الدر المنثور 1 / 21 ، سيرة عمر لابن الوزي : 165 ] ، وهذا لا
يتفق مع ما قيل عن ملكة الحفظ عند العربي ، ولو صح هذا لما أتى أصحاب الجرح
والتعديل بأسماء الذين خلطوا من الصحابة .
وقال الأستاذ يوسف العشي : فذاكرة أكثر الناس أضعف من أن تتناول مادة العلم
بأجمعه فتحفظها من الضياع وتقيها من الشرود ، ومهما قويت عند أناس فلا بد أن
تهون عند آخرين فتخونهم وتضعف معارفهم [ مقدمة تقييد العلم : 8 ] .
إذن ، ما قيل عن حافظة العربي لا يتفق مع هذه الأقوال ، وخصوصا حينما نقف
على كلام الإمام علي ( عليه السلام ) في نهج البلاغة وعند إشارته إلى أسباب اختلاف النقل
عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : " ورجل سمع من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلم يحمله على
وجهه ووهم فيه ولم يتعمد كذبا . . . " .
وأما الكبرى ، فالملائكة هم أكمل من بني الإنسان وأقدر منه على الحفظ ، فلم
يكلفهم عز وجل بالكتابة ويقول : ( كراما كاتبين ) [ الانفطار : 11 ] ؟ ولو كان للحفظ
هذه المنزلة فلماذا لا نجد معشار الآيات التي نزلت في الكتابة قد نزلت في الحفظ ؟
ولو كان الحفظ واجبا لكانت الكتابة منهيا عنها ومحرمة ، فلماذا نراهم يدونون
القرآن ولا يدونون الحديث ؟ ولو صح هذا التعليل فلماذا يكون حكرا على العرب ؟
وكيف يفعل الفرس والأتراك لو أرادوا التدوين ؟ ألم تكن الشريعة عامة للجميع ؟
وماذا نفعل بقوة الحافظة لو مات الصحابي الحافظ إن لم نسجل كلامه ؟ ألا يعني هذا
أن منع التدوين بدافع المحافظة على الحديث أشبه شئ بالتناقض ؟ وكيف يتصور أن
يحث المعلم تلاميذه على العلم ويحرضهم على صون محفوظاتهم من النسيان ثم
يوصيهم ألا يدونونها ولا يتدارسونها ؟ أليس صون العلم والمحافظة عليه بالكتابة
والتدوين أولى وأجدى من حفظه واستظهاره ؟ ولو كان ما كتب قر وما حفظ فر فلم
التأكيد على حفظ الحديث وتجويزه من قبل الحفاظ والقول أن منع الكتابة جاء
للمحافظة على الذاكرة ؟ !
السبب الخامس :
ما ذهب إليه الخطيب البغدادي وابن عبد البر
وملخصه هو أن الخليفة فعل ذلك احتياطا للدين وخوفا من أن يعملوا بالاخبار
على ظاهرها والحديث فيه المجمل والمفصل ، فخشي عمر أن يحمل الحديث على
غير وجهه أو يؤخذ بظاهر لفظه [ شرف أصحاب الحديث : 97 - 98 ، السنة قبل
التدوين : 106 ] .
ويجاب عليه :
هل الخليفة أحرص من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على دين الله ؟ وما معنى خوفه
واحتياطه ورسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول : " حدث ولا حرج " ، وفي آخر : " اكتبوا ولا
حرج " ؟
فكيف يحتاط الخليفة ولا يحتاط أبو ذر الغفاري الذي قال عنه رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء عن ذي لهجة أصدق من أبي ذر " ؟
وكيف برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يرسل الصحابة إلى القبائل والمدن المبشرين
والمنذرين والخليفة يجمع الصحابة من أمثال أبي ذر وابن مسعود وأبو مسعود عنده
وينهاهم من التحديث ؟
وكيف نرفع هذه الازدواجية ؟ وهل جاء هذا حرصا على الإسلام والمسلمين ؟
وما معنى قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فبلغها عني فرب
حامل فقه إلى من هو أفقه منه " ؟ ألم يعن أنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سمح بنقل قوله على ما هو عليه
إلى من هو أفقه منه ؟
ولو لاحظت سيرة الخليفة لرأيته لا يحتاط ، فقد أخذ برداء رسول الله حين
صلاته على المنافق ثم ندم ، واقترح على الرسول في الحكم بن كيسان أن يضرب
عنقه لأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أطال في وعظه ولم يفد ثم ندم لإسلام الحكم وحسن إسلامه
وشهادته في آخر الأمر [ طبقات ابن سعد 4 / 137 ] .
والاحتياط يخالف التسرع والاجتهاد ، وقد ثبت عن الخليفة أنه كان يجتهد
، والعجيب أنهم يدعون أن المنع جاء احتياطا للدين ، ويفوت عليهم أن منع المنع هو
الاحتياط ، لأن المنع معناه الضياع ، أما التحديث وإن كان عرضة للخطأ والتصحيف
لكنه أعود على المسلمين من بقائهم في الجهل وعدم المعرفة .
ولو كان فعل عمر هو الاحتياط في الدين فلم لم يعمل بمشورة الصحابة حينما
ذهبوا إلى تدوين السنة ؟
نعم انفرد برأيه وأحرق المدونات ومنع من التدوين وهو عين الاجتهاد ؟ !
إن الاحتياط في أن يوافق الخليفة رأي أكثر الصحابة ، لقوله تعالى : ( وأمرهم
شورى بينهم ) ، ولإيمانه هو بمبدأ الشورى ، فمخالفة الخليفة للصحابة يعد نقضا
للاحتياط وهدما لمبدأ الشورى الذي اتخذه عمر بن الخطاب .
وبعد هذا يتجلى ضعف هذا الرأي كذلك وعدم صموده أمام النقد .
السبب السادس :
ما ذهب إليه بعض المستشرقين
ذهب شبرنجر إلى أن عمر لم يهدف إلى تعليم العرب البدو فحسب ، بل تمنى أن
يحافظ على شجاعتهم وإيمانهم الديني القوي ليجعلهم حكاما للعالم ، والكتابة
واتساع المعرفة لا تتناسب مع الهدف الذي سعى من أجله [ تدوين السنة الشريفة :
53 ، عن دلائل التوثيق المبكر : 230 - 231 ] .
ويضيف شاخت أن ليس بين الأحاديث المروية عند المسلمين حديث فقهي
صحيح ، بل إنها وضعت بعدئذ في إطار المصالح المذهبية [ أنظر : دراسات في
الحديث النبوي وتاريخ تدوينه للأعظمي ، وكتاب ( شاخت ) :
[ the origins of Muhammadan jurispradenee ]
ويمضي جولدتسهر إلى أن صدور الروايات في التدوين جميعها موضوعه ، وأن
الكتب المؤلفة الجامعة للحديث المنسوبة إلى العصر الأول مفتعلة .
[ من بحوثه : Muhammadanische studiee باللغة الألمانية ]
ويذهب إسماعيل بن أدهم في رسالته المطبوعة سنة 1353 إلى أن الأحاديث
الصحاح ليست ثابتة الأصول والدعائم ، بل هي مشكوك فيها ويغلب عليها صفة
الوضع [ دراسات في الحديث النبوي : 27 ، عن السنة ومكانتها للسباعي : 213 ] .
ومن أراد المزيد في دراسة أقوال المستشرقين فليراجع : كتاب السنة ومكانتها للسباعي ، ودراسات في الحديث النبوي للأعظمي ، والحديث والمحدثون لأبي وهو .