ذلك أنهما لو كانا اثنين لم يخل الامر فيهما من أن يكون كل واحد منهما
قادرا على منع صاحبه مما يريد أو غير قادر ، فإن كان كذلك فقد جاز
عليهما المنع ومن جاز عليه ذلك فمحدث كما أن المصنوع محدث ، وإن
لم يكونا قادرين لزمهما العجز والنقص وهما من دلالات الحدث ، فصح
أن القديم واحد .
ودليل آخر وهو أن كل واحد منهما لا يخلو من أن يكون قادرا على
أن يكتم الاخر شيئا ، فإن كان كذلك فالذي جاز الكتمان عليه حادث ، وإن
لم يكن قادرا فهو عاجز والعاجز حادث لما بيناه ، وهذا الكلام يحتج به
في إبطال قديمين صفة كل واحد منهما صفة القديم الذي أثبتناه ، فأما ما
ذهب إليه ماني وابن ديصان من خرافاتهما في الامتزاج 1 ) ودانت به
شرح
1 ) قال صاحب كتاب الملل والنحل : اختلف المانوية في المزاج وسببه ،
والخلاص وسببه ، قال بعضهم : أن النور والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق ، لا
بالقصد والاختيار ، وقال أكثرهم : أن سبب الامتزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن
روحها بعض التشاعل ، فنظرت الروح فرأت ( 1 ) الأبدان على ممازجة النور ،
فأجابتها لاسراعها إلى الشر ، فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملكا من
ملائكته في خمسة أجزاء ( 2 ) من أجناسها الخمسة ، فاختلطت الخمسة النورية
بالخمس الظلامية ، فخالط الدخان النسيم ، وإنما الحياة والروح في هذا العالم من
النسيم ، والهلاك والآفات من الدخان ، وخالط الحريق النار ، والنور الظلمة ،
والسموم الريح ، والضباب الماء ، فما في العالم من منفعة وخير وبركة فمن
أجناس النور ، وما فيه من مضرة وشر وفساد فمن أجناس الظلمة .
هامش
( 1 ) في الملل والنحل : فبعثت .
( 2 ) في الملل : أجناس .