يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل
الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معائشهم ، ولتصدعت قلوبهم إلا ما شاء
الله ، فلا يزالون يبكون الدم ، ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه
فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين فيختم الله تبارك وتعالى على
أفواههم ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتشهد بكل معصية كانت
منهم ، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم : لم شهدتم علينا
قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ ( 1 ) ثم يجتمعون في موطن آخر
فيستنطقون فيفر بعضهم من بعض ، فذلك قوله عز وجل : يوم يفر المرء
من أخيه * وأمه وأبيه * وصاحبته وبنيه ( 2 ) فيستنطقون فلا يتكلمون
إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ، فيقوم الرسل صلى الله عليهم
فيشهدون في هذا الموطن فذلك قوله : فكيف إذا جئنا من كل أمة
بشهيد 1 ) وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ( 3 ) ثم يجتمعون في موطن آخر
يكون فيه مقام محمد صلى الله عليه وآله وهو المقام المحمود ، فيثني على الله تبارك
شرح
ويعني بقوله ( من قبل ) في وقت آدم عليه السلام حين أمر بالسجود فأبى واستكبر ( 4 ) .
1 ) قال الطبرسي رحمه الله : أي كيف حال الأمم ؟ وكيف يصنعون إذا جئنا من كل
أمة من الأمم بشهيد ، وجئنا بك يا محمد على هؤلاء - يعني : قومه - شهيدا ، وهذا
كما يقول العرب للرجل في الامر الهائل يتوقعه كيف بك إذا كان كذا ؟ يريد بذلك
تعظيم الامر وتهويله وحثه على الاستعداد .
ومعنى الآية : ان الله يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمة ، فيشهد لهم وعليهم ،
هامش
( 1 ) فصلت : 21 .
( 2 ) عبس : 36 .
( 3 ) النساء : 41 .
( 4 ) مجمع البيان 3 : 311 .