خلقا لأنه شئ محدث ، والله الذي أحدثه فصار خلقا له ، وإنما هو الله عز
وجل وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما ، فما خلق الله عز وجل لم
يعد أن يكون خلقه ، وقد يكون الخلق ساكنا ومتحركا ومختلفا ومؤتلفا
ومعلوما ومتشابها ، وكل ما وقع عليه حد 1 ) فهو خلق الله عز وجل .
واعلم أن كل ما أوجدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس وكل
حاسة تدل على ما جعل الله عز وجل لها في إدراكها ، والفهم من القلب
بجميع ذلك كله .
واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خلق خلقا
مقدرا بتحديد وتقدير ، وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر 2 ) ،
فليس في كل واحد منهما لون ولا ذوق ولا وزن ، فجعل أحدهما يدرك
شرح
قلنا إنه خلق لأن هذه النسبة والتأثير غيره تعالى ، وهو محدث ، وكل محدث
معلول ، فلا يتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر ، وهكذا حتى يتسلسل ، بل ليس
في الحقيقة الا الرب ومخلوقه الذي أوجده ، والايجاد معنى صار سببا لوجود
المعلول بتأثيره تعالى ، فكل شئ خلقه الله لم يعد ولم يتجاوز أن يصدق عليه أن
الله خلقه ، كما تقدم في قوله عليه السلام ( خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء
بالمشيئة ) .
1 ) والابداع مما يقع عليه الحدود ويعرف بالتعريفات الكاشفة عنه فيكون
مخلوقا .
2 ) قال بعض الاعلام : لعله إشارة إلى الخلق الأول ، وهو الحروف ، ففي
خلق الحروف يخلق شيئان : حرف وتحديد وتقدير قائم به ، وليس شئ من
الحرف والعرض القائم به ذا ألوان ووزن وذوق ( وجعل أحدهما يدرك بالآخر )
أي : الحرف يدرك بالحدود القائمة به ، فيعرف بأنه شئ محدود ، أو المعنى أنه لو
لم يكن شيئا محدودا لم يكن مدركا بالحواس ، وجعل الحرف وحده كليهما