شرح
والدم يجري من رأسه ، قال له : يا رسول الله إنك أخبرتني بالشهادة وهذا كان
يومها لعدم الناصر والمعين ، وكنت أرجوها هذا اليوم ، فلم أرزقها ، فقال له صلى الله عليه وآله : لا
تلاقي الشهادة إلا بعد قتال الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي ، فإذا كان ذلك
الوقت انبعث أشقى الأولين والآخرين ، فضربك على رأسك ، فكيف صبرك يا
علي ؟ فقال : يا رسول الله ، ذلك مقام الشكر لا مقام الصبر .
وحينئذ فمباشرته لما تقدم من تلك الحروب لم يكن على ثبات قدم من
الحياة ، ويؤيده قوله عليه السلام : إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى
بهم أصحابه عن حر السيوف والأسنة ، فقتل عبيدة بن الحارث يوم بدر وحمزة
يوم أحد وجعفر يوم موته ، وأراد من لو شئت ذكرت اسمه مثل الذي أرادوا من
الشهادة ، ولكن آجالهم عجلت ومنيته أخرت .
فهذا يدل على أنه عليه السلام لم يكن إلى ذلك الوقت عالما بوقت شهادته . وأما
بعده ، فهو صلى الله عليه وآله إنما أخبره بوقت الشهادة ولم يخبره بأنه لا يجرح ولا يصاب
بالأسنة والسيوف ، كما هو المنقول من أحواله عليه السلام بأنه كان إذا خرج من واقعة
الحرب تكون نصال السهام مثبتة في بدنه لا يستخرجونها منه إلا إذا قام في
الصلاة .
ويمكن الجواب أيضا بأن يقال : إن المراد من الجهاد والمطلوب منه إنما هو
الفوز بما وعد الله عليه من الاجر ، ولا شك في أن الآيات والاخبار النبوية
الواردة في الجهاد وفي الثواب عليه مطلقة لا تتقيد بجهل المجاهد بقتله ولا بعدمه ،
فإذا كان عليه السلام قد بذل جهده في الجهاد واستفرغ الوسع وأتعب البدن فيه وقاسى
مشاق الأهوال ، ترتب عليه ذلك الأجر والثواب ، وإن كان عالما بأنه لا يقتل ، إذ
لا أثر لهذا في بطلان الثواب ، وأما طلب الشهرة في الدنيا ، فما كان يخطر بخاطره