شرح
وحيث أن هذا المطلب من المطالب الجليلة ، وقد حررناه في شرحنا على
تهذيب الحديث والاستبصار مفصلا فيما يقرب من كراسين ، فلا بأس هنا
بارخاء عنان القلم لبيان نبذة منه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) أقول : وقع الاختلاف قديما وحديثا بين أهل السنة والامامية في مسألة تحريف ا لقرآن ،
وقد ذهب جماعة من الفريقين إلى وقوع التحريف في القرآن المجيد ، وذهب جماعة أخرى
منهما إلى عدم وقوع التحريف فيه ، واستدل كل من الفريقين على مدعاهم بالروايات
والنصوص الواردة في كتبهم ، وذهب الأخباريون من الامامية إلى وقوع التحريف فيه ،
لظواهر روايات واردة عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين .
والمؤلف بما أنه من نفاة الاجتهاد وممن يؤيد طريقة الاخبارية اغتر بظواهر هذه
الروايات ، وذهب إلى وقوع التحريف فيه ، وأضاف إلى تلك الظواهر وجوها عقلية .
ولكن ذهب أكثر فطاحل الامامية وأعلامهم من الأخباريين والمتكلمين إلى عدم وقوع
التحريف في القرآن المجيد .
قال شيخ المحدثين الصدوق قدس سره في رسالته : اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على
نبيه صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذلك ، ثم استدل على
ذلك بوجوه عديدة .
وقال شيخ المتكلمين المفيد قدس سره في كتابه أوائل المقالات : وقد قال جماعة من أهل
الإمامة : انه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتا في
مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله ، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا
منزلا وان لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ، وعندي أن هذا ا لقول
أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، واليه أميل ،
والله أسأل توفيقه للصواب .
وقال الشريف المرتضى قدس سره في بعض مسائله : ان العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ،
والحوادث الكبار ، والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فان
العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه .
وقال أيضا : ان القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الان .
وقال أيضا : من خالف في ذلك من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فان الخلاف
في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا بصحتها ، لا يرجع
بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته .
وقال شيخ الطائفة الطوسي قدس سره في تفسيره : والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون
أغراضه . وأما الكلام في زيادته ونقصانه ، فمما لا يليق به أيضا ، لان الزيادة فيه مجمع
على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح
من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله تعالى ، وهو الظاهر من الروايات .
غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من أي القرآن ،
ونقل شئ منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، والأولى
الاعراض عنها وترك التشاغل بها ، لأنه لا يمكن تأويلها ، ولو صحت لما كان ذلك طعنا
على ما هو موجود بين الدفتين ، فان ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه .
فهذه كلمات هؤلاء الفطاحل من علماء الشيعة التي تدور مدارهم نقل المذهب الصحيح
من الفقه والحديث والأصول والكلام والتفسير وغيرها ، وقد كتب بعض معاصرينا كتبا
مستقلة في مسألة عدم وقوع التحريف في القرآن المجيد ، فراجع إليها .