شرح
تحقيق عجيب :
وهو أن الظاهر من هذه الآية وما ساوقها من الآيات ، وكذلك من الأخبار المستفيضة
بل المتواترة بالمعنى أن الأمور المعنوية والاعمال من الطاعات
وغيرها يكون مما تدرك بالعين في النشأة الأخرى ، وأن الاعمال تتجسم
وتتصور بالصور المختلفة في عالم البرزخ . وما بعده كما روى : أن الصلاة تكون
مع الانسان في قبره مصورة رجل مقبول الصورة أنور اللون يتكلم معه ويؤنسه
ويؤمنه من الأخاويف ، وأن الزنا يكون معه بصورة رجل أسود اللون كريه
المنظر يجلب عليه الأهوال ، وكذلك ما عداهما من الاعمال .
ولما كان تجسم الاعمال على هذا النحو خلاف طور العقل ، لأن الأمور
المعنوية كيف يظهر للحس ؟ والاعراض كيف تنقلب جواهر مع امتناع قلب
الحقائق ؟ أقبلوا على فتح باب التأويل فيه ، وقالوا : معنى هذا التجسم أن الله
سبحانه يخلق بسبب تلك الطاعات الأشباح الحسان ، وكذلك الصور
المستكرهة . وبالجملة فهي من ضروب التنعم والعذاب ، كما أنه يدخل الجنة
والنار بعمله ، كما قال عز شأنه : ( ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) ( 1 ) .
وبعضهم وقف على ظواهر النصوص من القول بالتجسم ، وإن كان خلاف
طور العقل ، لأنه لا ميدان له في أحوال تلك النشأة الأخرى ، والأمور تختلف
باختلاف النشأتين كما نشاهد من اختلافها في اليقظة والمنام ، ولم نر من
هامش
( 1 ) سورة النحل : 32 .