والأمة مجمعة على أن النهي عن الصلاة على المنافقين إنما كان بقوله
تعالى : ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ) ، وأن ذلك إنما
نزل بعد هذه الواقعة بالاجماع على أن الحديث - حديث ابن عمر الذي
تلوناه عليك الآن - بمجرده صريح في ذلك ، فتدبر آخره تجده نصا في تأخره
عن هذه الواقعة .
لذلك لم يأبه رسول الله صلى الله عليه وآله لهذه المعارضة ، لكنه وسعها بحلمه
العظيم ، وحكمته البالغة جريا على عادته المستمرة ، فلما أكثر عمر عليه واقفا
إزاء صدره يمنعه من الصلاة بكلام كنا نربأ بمثله أن يواجه به رسول الله
قال صلى الله عليه وآله - من حديث صحيح - : أخر عني يا عمر إني خبرت ، قيل لي :
( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) فلو
أعلم أني إن زدت على السبعين غفر الله له لزدت ، ثم صلى عليه ، ومشى خلفه
وقام على قبره . . ( الحديث ) ( 249 ) .
قلت : جرى صلى الله عليه وآله في صلاته على " ابن أبي " . حسبما اقتضاه يومئذ تكليفه
من المعاملة على مقتضى الظاهر ، ولم يكن " ابن أبي " في عداد الكافرين
الذين أبوا الدعوة إلى الإسلام فردوها وإنما كان ممن أجاب الدعوة في ظاهر
حاله ، ونطق بالشهادتين ولم يتظاهر بالردة . وإنما نافق ، ولم يكن حينئذ نهى
عن الصلاة على المنافقين كما سمعت فصلى عليه صلى الله عليه وآله جريا على ظاهر حكم
هامش
( 249 ) أخرجه بالإسناد إلى عمر كل من البخاري ومسلم والترمذي والإمام أحمد
وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وغيرهم فيما نقله المتقي الهندي عنهم جميعا في أول
ص 247 من الجزء الأول من كنز العمال . وهو الحديث 4403 من أحاديث الكنز ( منه
قدس ) .
وراجع : الكامل في التاريخ ج 2 / 199 ط بيروت .