على رغم شدة إخلاصهم ، وعمق ولائهم ، لان الاسلام ليس نظرية
بشرية لكي يتحدد فكريا من خلال الممارسة والطبيق ( 86 ) ، وتتبلور
مفاهيمه عبر التجربة المخلصة ، وإنما هو رسالة الله التي حددت فيها
الاحكام والمفاهيم وزودت ربانيا بكل التشريعات العامة التي تتطلبها
التجربة ( 87 ) ، فلا بد لزعامة هذه التجربة من استيعاب الرسالة بحدودها
وتفاصيلها ، ومن وعي بكل أحكامها ومفاهيمها ( 88 ) * وإلا اضطراب إلى
استلهام مسبقاتها الذهنية ومرتكزاتها القبلة وأدى ذلك إلى نكسة في
مسيرة التجربة ، وبخاصة إذا لاحظنا أن الاسلام كان هو الرسالة
الخاتمة من رسالات السماء التي يجب أن تمتد مع الزمن ، وتتعدى
كل الحدود الوقتية والإقليمية والقومية ( 89 ) ، الامر الذي لا يسمع بأن
تمارس زعامته التي تشكل الأساس لك ذلك الامتداد ، تجارب الخطأ
والصواب ، التي تتراكم فيها الأخطاء عبر فترة من الزمن حتى تشكل
ثغرة تهدد ، التجربة بالسقوط والانهيار ( 90 ) .
هامش
( 86 ) من المقولات الشائعة في أوساط أصحاب النظريات وعند المفكرين : أن النظرية تغتني
بالتطبيق ولذلك ينبه الشهيد الصدر على أن الاسلام ليس من هذا القبيل .
( 87 ) لاحظ قوله تعالى : ( . . . ما فرطنا في الكتاب من شئ . . . ) الانعام / 38 وقال تعالى :
( . . . ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ . . . ) النحل / 89 وقال تعالى : ( . . . وما آتاكم
الرسول فحدوه وما نهاكم عنه فانتهوا . . . ) الحشر / 7 .
( 88 ) راجع الدراسة التي ألحقت بالبحث في الاخر .
( 89 ) قال تعالى : ( وما أرسلناك إلا كافة للناس . . . ) سبا / 28 وقال تعالى : ( وما أرسلناك
إلا رحمة للعالمين ) الأنبياء / 107 .
( 90 ) لقد أراد نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) تجنيب أمته مرارة ومعاناة تجربة الخطأ
والصواب وما يمكن أن تجره على الأمة المسلمة من ويلات وآلام وتيه فقال : " هلموا
اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا . . . ) ولكن الرزية كل الرزية - على حد تعبير ابن عباس
أن منع رسول الله من ذلك .
راجع القصة في صحيح البخاري / ج 8 ص 161 باب الاعتصام .