الأخير رقما واحدا يكفي لنفي الطريق الأول ، وللتدليل على أن القائد
الأعظم ، نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) كان أبعد ما يكون من فرضية
الموقف السلبي تجاه مستقبل الدعوة ، لعدم الشعور بالخطر ، أو لعدم
الاهتمام بشأنه ، وهذا الرقم أجمعت صحاح المسلمين جميعا - سنة
وشيعة - على نقله ، وهو أن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لما حضرته
الوفاة ، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبي ( صلى الله
عليه وآله ) : " ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده
أبدا " ( 24 ) فإن هذه المحاولة من القائد الكريم ، المتفق على نقلها
وصحتها تدل بكل وضوح على أنه كان يفكر في أخطار المستقبل ،
ويدرك بعمق ضرورة التخطيط لتحصين الأمة من الانحراف ، وحماية
الدعوة من التميع والانهيار ، فليس إذن من الممكن افتراض الموقف
السلبي ( 25 ) من النبي ( صلى الله عليه وآله ) بحال من لأحوال .
هامش
( 24 ) راجع : صحيح البخاري / ج 1 / ص 37 كتاب العلم ج 8 / ص 61 كتاب الاعتصام ( الشهيد )
وراجع : صحيح مسلم / ج 5 / ص 76 باب الوصية / مطبعة محمد علي صبيح القاهرة : ( الشهيد ) مسند
الإمام أحمد / ج 1 / ص 355 ، وراجع الطبقات الكبرى / لابن سعد / ج 2 / ص 242 / 244 ( الشهيد ) .
( 25 ) إن كل مسلم يؤمن بعظمة شخصية الرسول القائد ( صلى الله عليه وآله ) ، فضلا عن إيمانه بأنه
نبي رسول ، يقتضيه ذلك الايمان استبعاد مثل هذه الفرضية مطلقا ، بل يلزم القول بامتناعها
في حقه عليه الصلاة والسلام ، وذلك لسببين على الأقل : أولهما : إنه خلاف المعهود من سيرته
صلوات الله وسلامه عليه بإجماع الملة ، تلك السيرة المشرقة الزاخرة بالعمل والجهاد
المتواصل بلا انقطاع من أجل التغيير والبناء وانقاذ الأمة . وثانيهما : إنه مخالف لما تواتر عنه
صلوات الله وسلامه عليه ، ولما ربي الأمة عليه ، من الاهتمام بالأمور حتى قال : " من أصبح
ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم " أصول الكافي / ج 2 / ص 131 . ولذا يكون اهماله
الاهتمام بمستقبل الدعوة ، ومستقبل الأمة يعني الاخلال الصريح بمصداقيته وعهوده .