- 4 -
ومن وصية له عليه السلام
رواها حافظ الشيعة وصدوق الشريعة ابن بابويه رحمه الله ، عن إبراهيم
ابن الوليد ، عن محمد بن أحمد الكاتب رفعه ، ان أمير المؤمنين عليه السلام
قال لبنيه :
يا بني إياكم ومعاداة الرجال ، فإنهم لا يخلون من ضربين ،
من عاقل يمكر بكم ، أو جاهل يعجل عليكم ، والكلام ذكر
والجواب أنثى ، فإذا اجتمع الزوجان فلابد من النتاج ،
ثم أنشأ عليه السلام يقول :
سليم العرض من حذر الجوابا
ومن داري الرجال فقد أصابا
ومن هاب الرجال تهيبوه
ومن حقر الرجال فلن يهابا ( 1 )
هامش
( 1 ) هاب يهاب ويهيب ( من باب خاف وباع ) هيبا وهيبة ومهابة - فلانا
أي عظمه ووقره ، ومراده عليه السلام : ان من أراد المهابة والجلالة والتوقير
والاحترام فلابد له من تجرع الغصص وتحمل المرارة بتعظيم الناس ، وغض
النظر عن سوء سيرتهم وسريرتهم ، وانهم غير مستحقين للاحترام ، بل أهل
للتوهين والملام ، إذ بالمعاملة بالمثل وقدر الاستحقاق يختل نظام المجتمع ، ويؤول
أمر الصداقة والمحبة إلى العداوة والبغضاء ، فلابد للعاقل أن لا ينظر إلى قابلية
الأشخاص ، بل ينظر إلى قابليته وشخصيته ، فيوصل من قطعه ، ويقرب من
هجره ، ويعفو عمن ظلمه ، ويحسن إلى من أساء إليه ، ويذكر بالحسن من
اغتابه وآذاه باللسان ، ويتفقد من نسيه ، وينصر من خذله ، إلى غير ذلك من
انحاء مجازاة الإساءة بالاحسان ، وهذا هو الذي حث عليه الشارع المقدس
ببيانات مختلفة وتأكيدات بليغة لا تحصى ، وبهذا العمل يجتمع الشمل المبدد ،
والنظام المختل ، ويحسن هذا الصنيع ترتفع البغضاء ، وترجع العداوة إلى
الصداقة ، والمنافرة إلى المؤانسة والعلاقة ، ويجتث أصل الحقد ، ويستأصل
بذر الغل ، كما قال الله تبارك وتعالى : " ادفع بالتي هي أحسن السيئة فإذا
الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم " إذ النفوس غالبا مجبولة على المقابلة
بالمثل ، وجزاء الاحسان بالاحسان ، ومكافأة الإساءة باضعافها من الشرارة
والطغيان ، وأنشد الإمام الصادق ( ع ) : تنح عن القبيح فلا ترده . ثم قال لابنه
الإمام الكاظم ( ع ) وهو صبي : يا بني تممه ، فأتمه الإمام الكاظم عليه السلام
بقوله : ومن أوليته حسنا فزده . ثم قال الإمام الصادق عليه السلام : ستلقى
من عدوك كل كيد . فأجابه الإمام الكاظم ( ع ) بقوله : إذا كاد العدو فلا تكده .
وروى الشيخ الصدوق طاب ثراه مسندا في عيون أخبار الرضا كلاما
طويلا من أسئلة المأمون عن الإمام الرضا عليه السلام ، منها : أنه قال للإمام الرضا
عليه السلام : أنشدني أحسن ما رويته في استجلاب العدو حتى يكون
صديقا ، فقال : الرضا عليه السلام :
وذى غلة سالمته فقهرته * فأو قرته مني لعفو التجمل
ومن لا يدافع سيئات عدوه * باحسانه لم يأخذ الطول من عل
ولم أر في الأشياء أسرع مهلكا * لغمر قديم من وداد معجل
فقال المأمون : ما أحسن هذا ، هذا من قاله ؟ فقال عليه السلام : بعض
فتياننا ، الخ .
وروى الشيخ الطوسي ( ره ) في الحديث 22 ، من المجلس ، من أماليه ،
مسندا عن رسول الله ( ص ) أنه قال : إياكم ومشاجرة الناس ، فإنها تظهر
الغرة ، وتدفن العزة .