واعلم أن أمامك مهالك ومهاوي وجسورا وعقبة
كئودا ( 63 ) لا محالة أنت هابطها . وإن مهبطها إما على جنة
أو على نار فارتد ( 64 ) لنفسك قبل نزولك إياها ، وإذا وجدت
من أهل الفاقة من يحمل زادك إلى القيامة ( 65 ) فيوافيك به
غدا حيث تحتاج إليه ، فاغتنمه وحمله وأكثر من تزويده
وأنت قادر عليه فلعلك تطلبه فلا تجده وإياك أن تثق
لتحميل زادك بمن لا ورع له ولا أمانة ، فيكون مثلك مثل
ظمآن رأى سرابا حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ( 66 ) فتبقى في
هامش
( 63 ) المهاوي جمع المهوى والمهواة - على زنة المرضى والمرضاة - وهي
مسقط الشئ من محل عال ، ولذا يستعمل فيما بين الجبلين ونحوه من الفرجة
والوهدة العميقة . والعقبة : اسم لقطعة من الجبال يصعب ارتقاؤها ، ويقال
لها بالفارسية ( گردنة ) وكئود وكأداء - كثمود وصحراء - اي شاقة المصعد .
( 64 ) أي فاطلب المنجى لنفسك قبل نزول دركات الآخرة ، وحلول
عقبات القيامة ، إذ بعد النزول فيها لا حيلة لاختيار ما ينجي وتحصيل ما ينتفع به .
( 65 ) وما في هذا البيان الرباني من الحث والتأكيد على إعانة الضعفاء ،
واغتنام الانفاق في سبيل الله عند القدرة مما لا يحيط به البيان ، ولا يجري
لشرحه كما هو حقه قلم ولا لسان .
وقال الفيض ( ره ) : حمل زاد القيامة أهل الفاقة كناية عن الانفاق في
سبيل الله ، وكل خير معروف لله .
( 66 ) هذا الكلام يحتمل معنيين : الأولى - أن يكون تحذيرا عن صرف
المعروف في غير أهله ، وبذل الاحسان لغير مستحقه ، فمن وضع نائله في غير
الصلحاء ، وجاد بمعروفه على غير مستحقه من المساكين والفقراء ، يحسب أنه
يحسن صنعه ، وحصل زاده ، فإذا قامت القيامة ، وكشف عنه غطاؤه ،
علم أن ما تخيله ماء لم يكن الا سرابا فيبقى في عقبات القيامة بلا زاد .
وهذا المعنى اخترناه سابقا ، وسنذكر شواهده من الاخبار .
واحتملنا أخيرا أن يكون مراده ( ع ) من الكلام التحذير من ايكال الامر -
وما ينبغي للمكلف أن يأتي به بنفسه من الواجبات والمستحبات - إلى غيره ،
إذا لم يكن الموكول إليه ورعا ولا أمينا ، فمن لم يعمل هو بوظيفته ، ولم يؤد
بنفسه خيراته إلى أهله ، بل فوض أداء خيراته أو تكاليفه القابلة للنيابة إلى
غيره مع كونه غير امين ولا ورع - بل مع عدم احراز أمانته وورعه - فقصته
بالنسبة إلى زاد القيامة ، والادخار ليوم الفاقة كقصة ظمآن رأى سرابا بقيعة
فحسبه ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا فبقي عطشانا في وادي الهلاكة .