أو ثلاثا - فقال له وردان : خلطت يا أبا عبد الله ، أما إنك إن شئت أنبأتك بما
في نفسك ! ! ! قال : هات . قال : اعترضت الدنيا والآخرة على قلبك فقلت :
علي معه الآخرة وفي الآخرة عوض من الدنيا ومعاوية معه الدنيا بلا آخرة ،
وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، فأنت متحير بينهما ! ! !
فقال له عمرو : قاتلك [ الله ] يا وردان والله ما أخطأت فما ترى ؟ قال : أرى
أن تقيم في منزلك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم ( 37 ) وإن ظهر أهل
الدنيا لم يستغنوا عنك .
فقال له عمرو الآن حين شهرني الناس بمسيري أقيم ( 38 ) ؟ ! ! !
أقول : والقصة بتفاصيلها مذكورة باختلاف طفيف في كتاب الفتوح : ج 2
ص 382 .
هامش
( 37 ) كذا في تاريخ اليعقوبي - وهو الظاهر - وفي النسخة هكذا : ( فإن
ظهر أهل الدين غب بي عقود منهم ) وهو مصحف .
( 38 ) هذا هو الظاهر من السياق ، وفي النسخة هكذا : ( الآن حين سهيري
الناس بمسيري أقيم ، فأرتحل إلى معاوية ) .
وفي تاريخ اليعقوبي هكذا : قال عمرو : الآن وقد شهرتني العرب بمسيري
إلى معاوية ؟ أرحل يا وردان ثم أنشأ يقول :
يا قاتل الله وردانا وفطنته * أبدي لعمرك ما في القلب وردان
[ فرحل ] فقدم على معاوية ، فذاكره أمره ، فقال [ له عمرو ] : أما علي
فوالله لا تساوي العرب بينك وبينه في شئ من الأشياء ، وإن له في الحرب لحظا
ما هو لأحد من قريش إلا أن تظلمه .
قال [ معاوية ] : صدقت ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه قتل عثمان
! ! ! قال عمرو : وا سوأتاه إن أحق الناس أن لا يذكر عثمان لأنا ولأنت . قال
ولم ويحك ؟ قال : أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن
أسد البجلي فسار إليه ، وأما أنا فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين . فقال معاوية :
دعني من هذا ، مد يدك فبايعني ! ! ؟ قال [ عمرو ] : لا لعمر الله لا أعطيك
ديني حتى آخذ من دنياك . قال له معاوية : لك مصر طعمة . [ قال : ] فغضب
مروان بن الحكم وقال : ما لي لا أستشار ؟ فقال معاوية : أسكت فإنما يستشار
بك . فقال له معاوية : يا أبا عبد الله بت عندنا الليلة ، وكره أن يفسد عليه الناس
فبات عمرو وهو يقول :
معاوية لا أعطيك ديني ولم أنل * به منك دنيا فانظرن كيف تصنع
فإن تعطني مصرا فأربح بصفقة * أخذت بها شيخا يضر وينفع
وما الدين والدنيا سواء وإنني * لآخذ ما أعطى ورأسي مقنع
ولكنني أعطيك هذا وإنني * لأخدع نفسي والمخادع يخدع
أأعطيك أمرا فيه للملك قوة * وأبقى له ان زلت النعل أصرع
وتمنعني مصرا وليست برغبة * وإن ثرى القنوع يوما لمولع [ كذا ]
فكتب له بمصر شرطا وأشهد له شهودا ، وختم الشرط وبايعه عمرو وتعاهدا
على الوفاء .
هذا آخر ما ذكره اليعقوبي وما لم نذكره من صدر روايته مثل ما ذكرناه في
المتن عن ابن عساكر في ترجمة عمرو ، ولا تغاير بينهما إلا تغايرا لفظيا في موارد
قليلة ، وكذا ذكر بعض القصة في مادة : ( قدح ) من النهاية .
والقصة ذكرها في أواخر الجزء الأول من كتاب صفين ص 32 - 44 ، وما
فيه أوسع من جميع من كتب الموضوع من القدماء ، كما ذكرها أيضا الخوارزمي في
أوائل الفصل الثالث من مناقبه ص 128 ، وذكر إنه كتب إليه معاوية فأجابه
عمرو بكتاب طويل يعدد فيه مناقب علي عليه السلام فكتب إليه معاوية ثانيا فرحل
إليه عمرو ، ورواه أيضا ابن أبي الحديد في شرحه على ختام المختار ( 26 ) من
النهج : ج 2 ص 61 .