ألا وإنها قد تصرمت وآذنت بانقضاء ( 7 ) وتنكر معروفها
وأصبحت مدبرة مولية فهي تهتف بالفناء وتصرخ بالموت
قد أمر منها ما كان حلوا ، وكدر منها ما كان صفوا ، فلم
يبق منها إلا شفافة كشفافة الاناء وجرعة كجرعة الإداوة
لو تمززها الصديان لم تنقع غلته ( 8 ) فأزمعوا عباد الله
على الرحيل عنها ( 9 ) وأجمعوا متاركتها فما من حي يطمع
في بقاء ، ولا نفس إلا وقد أذعنت للمنون ، ولا يغلبنكم
الامل ، ولا يطل عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم ، ولا تغتروا بالمنى
وخدع الشيطان وتسويفه ، فإن الشيطان عدوكم حريص على
إهلاككم تعبدوا لله - عباد الله - أيام الحياة ، فوالله لو حننتم حنين
هامش
( 7 ) ومن قوله : " ألا وإنها - إلى قوله : - ما جزت أعمالكم حق نعمة الله عليكم " رواه
في المختار : ( 52 ) من خطب نهج البلاغة باختصار واختلاف طفيف في بعض الألفاظ وبين المعقوفين
مأخوذ منه ، وكذلك في الحديث الثاني من المجلس : ( 20 ) من أمالي الشيخ المفيد - رحمه الله - ص 102 .
( 8 ) الشفافة : بقية الماء في الاناء . والجرعة - مثلثة الجيم - : البلعة من الماء - ويعبر عنها أهل
بلادنا " بيك كلب " - والإداوة قيل : هي المطهرة أي الماء الذي يتطهر به . وتمززها :
أمتصها قليلا قليلا . والصديان : العطشان . ويقال : " نقع الماء عطشه - من باب منع - نقعا " :
سكنه وقطعه . والغلة - بضم الغين - : العطش الشديد .
( 9 ) فأزمعوا : فأعزموا . وفي النهج : " فأزمعوا عباد الله الرحيل عن هذه الدار المقدور على
أهلها الزوال ، ولا يغلبنكم فيها الامل ، ولا يطولن عليكم الأمد ، فوالله لو حننتم حنين الوله
العجال ، ودعوتم بهديل الحمام وجأرتم جوآر متبتل الرهبان . . "