أما بعد فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه خلق خلفه ،
فألزمهم عبادته وكلفهم طاعته ، وقسم بينهم معايشهم
ووضعهم في الدنيا بحيث وضعهم [ كذا ] ، وهو في ذلك
غني عنهم لا تنفعه طاعة من أطاعه ، ولا تضره معصية من
عصاه منهم ، لكنه تعالى علم قصورهم عما تصلح عليه
شؤنهم وتستقيم به دهماؤهم في عاجلهم وآجلهم ،
فارتبطهم بإذنه في أمره ونهيه ( 5 ) فأمرهم تخييرا وكلفهم
يسيرا ، وأثابهم كثيرا ، وأماز سبحانه بعدل حكمه
وحكمته بين المؤجف من أنامه إلى مرضاته ومحبته ،
وبين المبطئ عنها ( 6 ) والمستظهر على نعمته منهم
بمعصيته ، فذلك قول الله عز وجل : أم حسب الذين
هامش
( 5 ) دهماؤهم : جماعتهم وبنو نوعهم . وارتبطهم في أمره ونهيه : أوثقهم وشدهم . والمراد
من الاذن - هنا - العلم ، أي إنه تعالى بحكمته وعلمه شد عباده بأوامره ونواهيه كيلا يطغوا ولا
يوقعوا أنفسهم في الهلاكة ، كما يربط ويوثق الدابة الجموح لكي لا يهلك نفسها وغيرها .
( 6 ) يقال : " ماز يميز ميزا ، وميز وأماز الشئ " : فرزه عن غيره ، ووسمه بعلامة تعرف
بها عن غيره . والموجف : المسرع . والمبطئ : خلافه ، أي إن الله تعالى بحكمه العدل وحكمته البالغة
فرق بين المسارعين إلى طاعته وبين المبادرين إلى معصيته ، وعلم جباه كل واحد من الفريقين
بعلامة ، فيعرف المجرمون بسيماهم ، فينادون : " وامتازوا اليوم أيها المجرمون " .