أثرة ، قد فرغ الله عز وجل من قسمه ( 7 ) فهو مال الله ،
وأنتم عباد الله المسلمون ، وهذا كتاب الله ، به أقررنا
وعليه شهدنا وله أسلمنا ، وعهد نبينا بين أظهرنا ، فسلموا
- رحمكم الله - فمن لم يرض بهذا فليتول كيف شاء ،
فإن العامل بطاعة الله ، والحاكم بحكم الله لا وحشة عليه ،
أولئك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 8 ) [ و ]
هامش
( 7 ) قال الطبرسي ( ره ) : الفئ : ما أخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بغير قتال ، والغنيمة :
ما أخذ منهم بقتال . وهو قول عطاء ، ومذهب الشافعي وسفيان ، وهو المروي عن أئمتنا عليهم
السلام ، وقال قوم : الغنيمة والفئ واحد . و " الأثرة " كشجرة - : الاختصاص بالشئ دون
غيره . وقيل : هو اختصاص المرء نفسه بأحسن الشئ دون غيره . و " القسم " : التجزأة والتفريق ،
يقال : " قسم الشئ - من باب ضرب - قسما " : فرقه وجزأه .
( 8 ) وهذا الحكم مدلول كثير من الآيات المحكمات ، والعقل أيضا حاكم به بعد حكمه بعدل
الباري تعالى وغنائه وحكمته ، قال الله تعالى في الآية : ( 38 ) من سورة البقرة : " فإما يأتينكم
مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " . وفي الآية : ( 63 ) من السورة :
" من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .
وفي الآية : " 112 " منها : بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم
ولا هم يحزنون " . وفي الآية : ( 262 ) منها : " الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون
ما أنفقوا منا لا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " . وفي الآية : ( 274 )
منها : " الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم
ولا هم يحزنون " .
وقال جل شأنه - في الآية : ( 170 ) من سورة آل عمران في حق الشهداء : " فرحين بما أتاهم
الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم الا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون
بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " .
وقال تعالى - في الآية : ( 69 ) من سورة المائدة - : " من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا
فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .
وقال عز شأنه - في الآية : ( 48 ) من سورة الأنعام - : " وما نرسل المرسلين إلا مبشرين
ومنذرين ، فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .
وقال جلت عظمته - في الآية : ( 35 ) من سورة الأعراف - : " يا بني آدم إما يأتينكم رسل
منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .
وقال تعالى عم نواله - في الآية : ( 62 ) من سورة يونس - : " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم
ولا هم يحزنون ، الذين آمنوا وكانوا يتقون ، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، لا تبديل
لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم " .
وقال جل جلاله - في الآية : ( 68 ) من سورة الزخرف - : " الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض
عدو ، إلا المتقين ، يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون ، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا
مسلمين ، ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ، يطاف عليهم بصحاف من مذهب وأكواب ، وفيها
ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، وأنتم فيها خالدون ، وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون ،
لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون " .
وقال عظم برهانه - في الآية : ( 13 ) من سورة الأحقاف - : " إن الذين قالوا : ربنا الله ثم
استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .
ولا شك أن أمير المؤمنين من أكمل مصاديق الآيات المتقدمة - إن لم نقل باختصاص بعض الآيات
المتقدمة به - نظير قول ابن عباس : " ما نزل " يا أيها الذين آمنوا " إلا وعلي أميرها وشريفها .
وهكذا الكلام بالنسبة إلى ما ورد في الحكم بالفوز والفلاح فإنه عليه السلام من أفضل أفراد من أتى
بوسائل الفوز والفلاح ، وكيف يمكن أن يقال إنه عليه السلام كان خائفا - بمعنى احتماله وتجويزه
لحلول العذاب عليه وعدم علمه بما يؤول إليه أمره - والخوف بذلك المعنى من لوازم الجهل بمقام
الربوبية والتفريط في العمل بوظائف العبودية ، وهو عليه السلام كان متفردا ببلوغ النهاية في العمل
والعلم ، وكيف يمكن أن يقال إنه عليه السلام كان خائفا بذلك المعنى وقد أعده الله لشفاعة المذنبين ،
وكيف يشفع لغيره من لا يعلم عاقبة أمره ويحتاج إلى شفاعة غيره ؟ ! . هذا كله بالنسبة إلى الخوف
الأخروي ، وأما الدنيوي فإنه لم ير الدهر أربط جاشا منه ولذا كان عليه السلام في ساعات الروع
واختلاس نفوس الابطال يغفي ويضع رأسه على القربوس في ساحة الحرب وينام ، وإذا يخوفوه كان يقول :
ما أبالي سقط علي الموت أو سقطت عليه . وسياق الكلام - هنا - يفيد المعنى الثاني ، وإنما أتى به
عليه السلام إظهارا للتجلد ، ومحدثا بنعمة ربه بأنه عامل بطاعته ، وحاكم بكتابه .