وبعدما اطلعت على صنيع المنحرفين ، وسجية المعرضين عن أمير المؤمنين ،
وصرت من مشاقتهم من المتعجبين ، ورأيت الأصدقاء متخاذلين ، والسواد
الأعظم من المؤمنين متكاسلين ، وعن إحقاق الحق وإبطال الباطل قاصرين ،
وألد الخصوم علينا متحاملين ، بدا لي أن أجمع لكتاب نهج البلاغة ما اطلعت
عليه من الأسانيد الوثيقة ، والمصادر المعتبرة القويمة ، أداء لبعض ما يجب على
العلماء ، من إرشاد الجهال ، وإبطال كيد المبطلين والضلال ، وتدعيم الحقائق ،
وتوطيد الوثائق ، علما بأن في الجمع المذكور إحقاقا للحق ، وإبطالا للباطل ،
ولفتا لأنظار أهل الحق بأن في هذا العمل تشييد الأصول الاعتقادية ، وترويج
المسائل العملية ، وترميم المكارم الأخلاقية ، وتعزيز القوانين الاسلامية ،
وتأييد للمستقلات العقلية .
ولما شمرت عن ساعد الجد والاجتهاد ، وخضت في جوامع كتب علمائنا
الأخيار ، وألممت ببعض ما حضرني من كتب أهل السنة - مع قلة مقدرتي
عليها وشدة حاجتي إليها - رأيت أن ما فات عن السيد الرضي ( ره ) - أو
تركه - من كلم أمير المؤمنين عليه السلام لا يقل عما جمعها وذكرها ( 7 )
هامش
( 7 ) بل ما فات منه - أو ما تركه على زعم بعض - أكثر ، وقبل أن ترى صدق ما قلناه برأي
العين بمشاهدة ما في كتابنا - نهج السعادة - نوطد دعوانا بما ذكره جماعة من ثقات أهل النقل من
المحدثين والمؤرخين فنقول :
قال أبو عمر في ترجمة أمير المؤمنين عليه السلام من كتاب الاستيعاب - المطبوع بهامش كتاب
الإصابة : ج 3 ص 1111 - : وخطبه ( عليه السلام ) ومواعظه ووصاياه لعماله كثيرة مشهورة
وهي حسان كلها .
وقال الحسن بن علي بن شعبة - من أعلام القرن الرابع - في الباب الأول من مختار كلم أمير
المؤمنين عليه السلام من كتاب تحف العقول ص 43 : لو استغرقنا جميع ما وصل إلينا من خطبه
وكلامه في التوحيد خاصة دون ما سواه من المعاني لكان مثل جميع ( ما في ) هذا الكتاب الخ .