يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك
عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر
بها وتحذو عليها . إنما مثل من خبر الدنيا ( 1 ) كمثل قوم سفر نبا بهم
منزل جديب فأموا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء
الطريق ( 2 ) وفراق الصديق ، وخشونة السفر ، وجشوبة المطعم ليأتوا
سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ، ولا يرون
نفقة مغرما ، ولا شئ ، أحب إليهم مما قربهم من منزلهم ، وأدناهم من محلهم
ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى
منزل جديب ، فليس شئ أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة
ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ( 3 ) ويصيرون إليه
يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك
ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحب
أن تظلم ، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك . واستقبح من نفسك
شرح
( 1 ) خبر الدنيا : عرفها كما هي بامتحان أحوالها . والسفر بفتح فسكون : المسافرون .
ونبا المنزل بأهله : لم يوافقهم المقام فيه لوخامته . والجديب : المقحط لا خير فيه . وأموا :
قصدوا . والجناب : الناحية . والمريع بفتح فكسر : كثير العشب ( 2 ) وعثاء
السفر : مشقته . والجشوبة بضم الجيم : الغلظ ، أو كون الطعام بلا أدم ( 3 ) هجم
عليه : انتهى إليه بغتة