تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نهج البلاغة — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
يا بني إني قد أنبأتك عن الدنيا وحالها وزوالها وانتقالها ، وأنبأتك عن الآخرة وما أعد لأهلها فيها ، وضربت لك فيهما الأمثال لتعتبر بها وتحذو عليها . إنما مثل من خبر الدنيا ( 1 ) كمثل قوم سفر نبا بهم منزل جديب فأموا منزلا خصيبا وجنابا مريعا ، فاحتملوا وعثاء الطريق ( 2 ) وفراق الصديق ، وخشونة السفر ، وجشوبة المطعم ليأتوا سعة دارهم ومنزل قرارهم ، فليس يجدون لشئ من ذلك ألما ، ولا يرون نفقة مغرما ، ولا شئ ، أحب إليهم مما قربهم من منزلهم ، وأدناهم من محلهم ومثل من اغتر بها كمثل قوم كانوا بمنزل خصيب فنبا بهم إلى منزل جديب ، فليس شئ أكره إليهم ولا أفظع عندهم من مفارقة ما كانوا فيه إلى ما يهجمون عليه ( 3 ) ويصيرون إليه يا بني اجعل نفسك ميزانا فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم ، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك . واستقبح من نفسك
شرح
( 1 ) خبر الدنيا : عرفها كما هي بامتحان أحوالها . والسفر بفتح فسكون : المسافرون . ونبا المنزل بأهله : لم يوافقهم المقام فيه لوخامته . والجديب : المقحط لا خير فيه . وأموا : قصدوا . والجناب : الناحية . والمريع بفتح فكسر : كثير العشب ( 2 ) وعثاء السفر : مشقته . والجشوبة بضم الجيم : الغلظ ، أو كون الطعام بلا أدم ( 3 ) هجم عليه : انتهى إليه بغتة