( منها ) قد لبس للحكمة جنتها ( 1 ) . وأخذها بجميع أدبها من
الاقبال عليها والمعرفة بها والتفرغ لها . وهي عند نفسه ضالته التي
يطلبها ، وحاجته التي يسأل عنها . فهو مغترب إذا اغترب الاسلام ( 2 ) ،
وضرب بعسيب ذنبه ، وألصق الأرض بجرانه . بقية من بقايا حجته ( 3 ) ،
خليفة من خلائف أنبيائه ( ثم قال عليه السلام ) :
أيها الناس إني قد بثثت لكم المواعظ التي وعظ الأنبياء بها
أممهم . وأديت إليكم ما أدت الأوصياء إلى من بعدهم . وأدبتكم
بسوطي فلم تستقيموا . وحدوتكم بالزواجر فلم تستوثقوا ( 4 ) . لله أنتم !
أتتوقعون إماما غيرى يطأ بكم الطريق ، ويرشدكم السبيل ؟
ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا ، وأقبل منها ما كان
مدبرا ، وأزمع الترحال عباد الله الأخيار ، وباعوا قليلا من الدنيا
شرح
أجسادهم وهلكوا وانقلبت مدائنهم ( 1 ) جنة الحكمة : ما يحفظها على صاحبها
من الزهد والورع . والكلام في العارف مطلقا ( 2 ) هو مع الاسلام فإذا صار الاسلام
غريبا اغترب معه لا يضل عنه . وعسيب الذنب : أصله . والضمير في ضرب للاسلام .
وهذا كناية عن التعب والإعياء ، يريد ضعف . والجران - ككتاب - مقدم عنق البعير
من المذبح إلى المنحر ، والبعير أقل ما يكون نفعه عند بروكه . وإلصاق جرانه بالأرض
كناية عن الضعف كسابقه ( 3 ) بقية : تابع لمغترب : وضمير حجته وأنبيائه لله المعلوم
من الكلام ( 4 ) استوسقت الإبل : اجتمعت وانضم بعضها إلى بعض