ما تكلمت به حتى توديه إلي واطرح الرأس في حجرها ، ففعل هذا ، فارتاعت له
ساعة . ثم وضعت يدها على رأسها وقالت :
واحزنا ! لصغره في دار هوان وضيق من ضيمة سلطان ، فنفيتموه عني
طويلا وأهديتموه إلي قتيلا ، فأهلا وسهلا بمن كنت له غير قالية وأنا له اليوم
غير ناسية ، ارجع به أيها الرسول إلى معاوية ، فقل له ولا تطوه دونه : أيتم الله
ولدك وأوحش منك أهلك ولا غفر لك ذنبك .
فرجع الرسول إلى معاوية ، فأخبره بما قالت ، فأرسل إليها فأتته ، وعنده نفر
فيهم أياس بن حسل أخو مالك بن حسل ، وكان في شدقيه نتوء عن فيه لعظم
كان في لسانه وثقل إذا تكلم ، فقال لها معاوية : أأنت يا عدوة الله صاحبة
الكلام الذي بلغني ؟
قالت : نعم ! غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له ، فلعمري لقد
اجتهدت في الدعاء إن نفع الاجتهاد ، وأن الحق لمن وراء العباد ، وما بلغت شيئا
من جزائك وإن الله بالنقمة من ورائك .
فأعرض عنها معاوية . فقال أياس : أقتل هذه يا أمير المؤمنين ، فوالله ما كان
زوجها أحق بالقتل منها ! فالتفت إليه ، فلما رأته ناتئ الشدقين ثقيل اللسان ،
قالت : تبا لك ! ويلك ! بين لحيتيك كجثمان الضفدع ، ثم أنت تدعوه إلى
قتلي كما قتل زوجي بالأمس ، إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ، وما تريد
أن تكون من المصلحين ، فضحك معاوية ، ثم قال : لله درك ! أخرجي ثم
لا أسمع بك في شئ من الشام .
قالت : وأبي لأخرجن ! ثم لا تسمع لي في شئ من الشام ، فما الشام لي
بحبيب ولا أعرج فيها على حميم ، وما هي لي بوطن ولا أحن فيها إلى سكن ، ولقد
عظم فيها ديني وما قرت فيها عيني ، وما أنا فيها إليك بعائدة ولا حيث كنت بحامدة
فأشار إليها ببنانه : أخرجي ، فخرجت وهي تقول :
مواقف الشيعة — صفحة 406
مساهمون: علي الأحمدي الميانجي
ص٤٠٦