ركبتها ، وذخر لك الذي ذكرت وأكثر منه مما لم تذكره ، ومما ليس لأحد من المسلمين مثله ، يقول ذلك من شهدك منّا مع نبينا ومن شهدك بعده ، فأخبرنا يا أمير المؤمنين ما امتحنك الله عزّ وجلّ به بعد نبينا ( صلى الله عليه وآله ) فاحتملته وصبرت ، فلو شئنا أن نصف ذلك لوصفناه علماً منا به وظهوراً منا عليه ، إلاّ أنا نحب أن نسمع منك ذلك كما سمعنا منك ما امتحنك الله به في حياته فأطعته فيه ، فقال ( عليه السلام ) :
يا أخا اليهود إن الله عزّ وجلّ امتحنني بعد وفاة نبيه ( صلى الله عليه وآله ) في سبعة مواطن فوجدني فيهن - من غير تزكية لنفسي - بمنه ونعمته صبوراً .
أمّا أولهن يا أخا اليهود فإنه لم يكن خاصة دون المسلمين عامة أحد آنس به أو اعتمد عليه أو استقيم إليه أو أتقرب به غير رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهو رباني صغيراً وبوأني كبيراً وكفاني العيلة ، وجبرني من اليتم ، وأغناني عن الطلب ، ووقاني الكسب ، وعال لي النفس والولد والأهل ، هذا في تصاريف أمر الدنيا مع ما خصني به من الدرجات التي قادتني إلى معالي الحظوة عند الله عز وجل ، فنزل بي عن وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عفوة كانت تنهض به ، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ، ولا يضبط نفسه ، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به ، قد أذهب الجزع صبره ، وأذهل عقله ، وحال بينه وبين الفهم والافهام والقول والاستماع ، وسائر الناس من غير بني عبد المطلب بين معز يأمر بالصبر ، وبين مساعد باك لبكائهم ، جازع لجزعهم ، وحملت نفسي على الصبر عند وفاته بلزوم الصمت والاشتغال بما أمرني به من تجهيزه ، وتغسيله وتحنيطه وتكفينه ، والصلاة عليه ، ووضعه في حفرته ، وجمع كتاب الله وعهده إلى خلقه ، ولا يشغلني عن ذلك بادر دمعة ولا هايج زفرة ولا لاذع حرقة ولا جزيل مصيبة حتى
أديت في ذلك الحق الواجب لله عزّ وجلّ ولرسوله ( صلى الله عليه وآله ) عليّ وبلغت منه الذي أمرني به ، واحتملته صابراً محتسباً ، ثم التفت ( عليه السلام ) إلى أصحابه فقال : أليس كذلك ؟ قالوا :
مسند الإمام علي ( ع ) — صفحة 379
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٣٧٩