وكسر الرايات ، وأخرج الناس من الظلمات ، ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله تواثبت الضباع على الأسد
المناع ، والولي المطاع ، فعوت على الهزبر الكلاب ، وصار ملك أبي تراب ، الذي صفي سبحانه بحد
الحساب ، والقرضاب ، إلى . . . الذي لم يحمر له حسام يوم الضراب ، ولا مر في ملمة ( 1 وخاب ، ولم يدع إلى كريهة فأجاب .
فوجب في عدل الكريم الوهاب ، من باب ( أوفوا بعهدي
أوفي بعهدكم ) أن يوليه يوم القيامة عوضا عن حقه الممنوع في الدنيا حكم يوم الحساب ، وإليه
الإشارة بقوله : ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) ( 2 ) لأن المواهب الربانية والتحف الإلهية ، إما أن
تكون استحقاقا أو تفضلا ، وكلاهما حاصلان لأمير المؤمنين عليه السلام ، أما الاستحقاق فإن الله أوجد فيه
من الأسرار الإلهية ، والقوى الربانية ، والخواص الملكية ما لم يوجد في غيره من البشر ، حتى تاه ذو
اللب في معناه وكفر ، وإليه الإشارة بقوله صلى الله عليه وآله : ( خلقت أنا وعلي من جنب الله ولم يخلق منه
غيرنا ) ( 3 ) ، وجنب الله معناه علم الله ، وحق الله له كإحياء الأموات والأخبار بالمغيبات ، وتكلم
أذياب الفلوات ، وإغاضة ماء الفرات ، ورجوع الشمس له بعد الغياب ، وإظهار وإيراد المعجبات ،
وأما التفضل فإن الله يختص
برحمته من يشاء ، ففرض الله إليه وأمر العباد وجعله الحاكم يوم المعاد ،
فهو حاكم يوم الدين ، ومالك يوم الدين ، وولي يوم الدين ، ولا ينكر هذا الحق المبين ، إلا من ليس له
حظ من الإيمان واليقين ، ومن لا إيمان له كافر فوجب على من شم حقائق الإيمان استنشاق نسيم
أزهار هذه الأشجار ، والتصديق لهذه الآثار ، ومن أنكرها ولو حرفا منها فقد عارض زكام الكفر
خيشوم إيمانه فليداووه بسعوط التصديق ، ولكن ذاك في حقق التحقيق ، ومن أعرض عن واضح
الدليل ، فقد ضل عن سواء السبيل .
هامش
( 1 ) كذا في النسخة الخطية ، في المطبوع بلفظ مسلم .
( 2 ) هود : 3 .
( 3 ) في بحار الأنوار : ( خلقنا الله جزءا من جنب الله ) - 24 / 192 ح 8 .