وكان أحدهم إذا روى لغيره حديثا عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ن في الصفات تلقاه بالقبول واعتقد تلك الصفة به على القطع واليقين كما اعتقد رؤية الرب وتكليمه ونداءه يوم القيامة لعباده بالصوت الذي يسمعه البعيد كما يسمعه القريب ، ونزوله إلى السماء الدنيا كل ليلة ، وضحكه وفرحة وإمساك سماواته على إصبع من أصابع يده وإثبات القدم له .
من سمع هذه الأحاديث ممن حدث بها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم أو عن صاحب اعتقد ثبوت مقتضاها بمجرد سماعها من العدل الصادق ، ولم يترتب فيها حق حتى أنهم ربما تثبتوا في بعض أحاديث الأحكام حتى يستظهروا بآخر كما استظهر عمر رضي اللّه عنه برواية أبي سعيد الخدري على خبر أبي موسى ، كما استظهر أبو بكر رضي اللّه عنه برواية محمد بن مسلمة على رواية المغيرة بن شعبة في توريث الجدة ، ولم يطلب أحد منهم الاستظهار في رواية أحاديث الصفات البتة بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها ، وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم . ومن له أدنى إلمام بالسنة والتفات إليها يعلم ذلك ولولا وضوح الأمر في ذلك لذكرنا أكثر من مائة موضع .
فهذا الذي اعتمده نفاة العلم عن أخبار رسول اللّه خرقوا به إجماع الصحابة المعلوم بالضرورة وإجماع التابعين وإجماع أئمة الإسلام ، ووافقوا به المعتزلة والجهمية والرافضة والخوارج الذين انتهكوا هذه الحرمة ، وتبعهم بعض الأصوليين والفقهاء ، وإلا فلا يعرف لهم سلف من الأئمة بذلك بل صرح الأئمة بخلاف قولهم .
فمن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه ، كأبي محمد بن حزم ونص عليه الحسين بن علي الكرابيسي والحارث بن أسد المحاسبي .
قال ابن خراز منداد في كتاب « أصول الفقه » وقد ذكر خبر الواحد الذي لم يروه إلا الواحد والاثنان ، ويقع بهذا الضرب أيضا العلم الضروري نص على ذلك مالك . وقال أحمد في حديث الرؤية : نعلم أنها حق ، ونقطع على العلم
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 713
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص٧١٣