قال تعالى :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
( الأحقاف : 29 ) آية . فأخبر أن الذي سمعوه هو نفس القرآن ، وهو الكتاب وقال تعالى :
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ
( الأعراف : 204 ) فأخبر أنا الذي يسمع هو القرآن بنفسه ، وعندهم أن القرآن يستحيل أن يقرأ لأنه ليس بحروف ولا أصوات ، وإنما هو واحد الذات ليس سورا ولا آيات . وقال تعالى :
فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ
( النحل : 98 )
وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا
( المزمل : 4 )
وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ
( الإسراء : 106 )
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ
( التوبة : 6 ) وعندهم أن الذي يسمع ليس كلام اللّه على الحقيقة وإنما هو مخلوق حكي به كلام اللّه ( على أحد قوليهم ) وعبارة عبر بها عن كلامه ( على القول الآخر ) وهي مخلوقة على القولين ، فالمقروء والمسموع والمكتوب والمحفوظ ليس هو كلام اللّه ، وإنما هو عبارة عبر بها عنه كما يعبر عن الذي لا ينطق ولا يتكلم من أخرس أو عاجز ، بل هو عندهم دون ذلك ما يعبر عن حال الشيء ، فيقال : قال كذا وكذا بلسان حاله لما لا يقبل النطق ، فإن الأخرس والعاجز قابل النطق ، فهو أحسن حالا ممن لا يقبله .
فعندهم أن الملك فهم عن اللّه تعالى معني مجردا قائما بنفسه ، ثم الملك عبر عن اللّه فهو الذي أحدث نظم القرآن وألفه ، فيكون إيحاؤه سبحانه إلى الملك مثل الوحي الذي يوحيه إلى الأنبياء ، إذ لا تكلم هناك ، ولا خطاب ، والملك لا يسمع من اللّه شيئا ولا النبي ، وعلى هذا فيكون ما أوحاه إلى النبي بالإلهام أو منام أشرف من تنزيل القرآن على الرسول علي هذا التقدير ، فإن ما أوحاه في الموضعين معنى مجردا ، لكن القرآن بواسطة الملك وحى إلهام ، والإلهام بغير واسطة ، وما ارتفعت فيه الوسائط فهو أشرف .
ولما أصلت الجهمية هذا الأصل وبنو عليه وجعلوا تكليم الرب تعالى للرسل والملائكة ، وهو مجرد إيحاء المعاني صار خلق من متعبديهم ومتصوفيهم يدعون أنهم يخاطبون وأن اللّه يكلمهم كما كلم موسى بن عمران ، ويزعمون أن التحديث الذي يكون للأولياء مثل تكليم اللّه لموسى بن عمران ، إذ ليس هناك غير مجرد الإلهام ، وبعضهم يقول إن اللّه خاطبني من لسان هذا الآدمي ،