تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥

فصل

قالت فرقة : القرآن في المصحف بمنزلة وجود الأعيان في السماوات والأرض والجنة والنار ، ووجود اسم الرب في ورقة أو صحيفة ، وهذا جهل عظيم ، فإن الفرق بين كون وجود القرآن في الصحف أظهر من أن يحتاج إلى بيان ، ويكفي المراتب الأربعة التي هم معترفون بصحتها ومحتجون بها ، فالقرآن ككلام وجوده في المصحف من باب وجود الكلام في الصحف ، ومعلوم أن وجود الكلام في المصحف هو وجود عيني ووجود ذهني ووجود لفظي ووجود رسمي ، فإذا وجد الكلام في المصحف كان وجود المرتبة الثالثة في الرابعة ، لا بمعنى أن اللفظ الذي هو حروف وأصوات انتقل بنفسه وصار أشكالا مدادية ، بل ذلك أمر معقول مشهود بالحس يعرفه العقلاء قاطبة . نعم : وجود القرآن في زبر الأولين من باب وجود المرتبة الأولى في الرابعة فمن سوى بين وجوده ثمّ ووجوده في المصحف فهو جاهل أو ملبس ، وليس القرآن بعينه موجودا في زبر الأولين ، وإنما فيها خبره وذكره والشهادة له فيها مذكور مخبر عنه ، وهو في المصحف ذكر وخبر وشاهد وقصص وأمر ونهي ، فأين أحدهما من الآخر ؟ فقوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ
( الشعراء : 196 ) وقوله :
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى
( الأعلى : 18 ) ليس مثل قوله :
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
( الواقعة : 77 ، 78 ) وقوله :
يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
( البينة : 2 ، 3 ) ومن سوى بينهما لومه أن يقول إن هذا القرآن العربي بعينه أنزل علي من قبلنا أو أن يقول إن المصحف ليس فيه قرآن ، إنما فيه ذكره والخبر عنه كما هو في الصحف الأولى وكلا الأمرين معلوم البطلان عقلا وشرعا . وقد انفصلوا عن هذا السؤال بأن قالوا المكتوب المحفوظ المتلو هو الحكاية أو العبارة المؤلفة المنطوق بها التي خلقها اللّه في الهواء أو في اللوح المحفوظ ، وفي نفس الملك ، فيقال : هذه عندكم ليس كلام اللّه إلا على المجاز وقد علم بالاضطرار أن هذا الكلام العربي هو القرآن ، وهو كتاب اللّه وهو كلامه ،