تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
الخامس : إن العهد والفطر والعقول والشرائع وجميع كتب اللّه المنزلة على خلاف ذلك وأنه سبحانه فوق العالم بذاته فالخطاب بفوقيته ينصرف إلى ما استقر في الفطر والعقول والكتب السماوية . السادس : إن هذا المجاز لو صرح به في حق اللّه كان قبيحا ، فإن ذلك إنما يقال في المتقاربين في المنزلة وأحدها أفضل من الآخر ، وإما إذا لم يتقاربا بوجه فإنه لا يصح فيهما ذلك ، وإذا كان يقبح كل القبح أن تقول الجوهر فوق قشر البصل ، وإذا قلت ذلك ضحكت منك العقلاء للتفاوت العظيم الذي بينهما فالتفاوت الذي بين الخالق والمخلوق أعظم وأعظم ، وفي مثل هذا قيل شعرا .
ألم تر أن السيف ينقص قدره * إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
السابع : إن الرب سبحانه لم يمتدح في كتابه ولا على لسان رسوله بأنه أفضل من العرش وأن رتبته فوق رتبة العرش ، وأنه خير من السماوات والعرش والكرسي ، وحيث ورد ذلك في الكتاب ، فإنما هو في السياق الرد على من عبد معه غيره ، وأشرك في إلهيته ، فبين سبحانه أنه خير من تلك الآلهة كقوله :
آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ
( النمل : 59 ) وقوله :
أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
( يوسف : 39 ) وقول السحرة :
وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى
( طه : 73 ) ولكن أين في القرآن مدحه نفسه وثناؤه على نفسه بأنه أفضل من السماوات والعرش والكرسي ابتداء ، ولا يصح إلحاق هذا بذلك ، إذ يحسن في الاحتجاج على المنكر وإلزامه من الخطاب الداحض لحجته ما لا يحسن في سياق غيره ، ولا ينكر هذا إلا غبي . الثامن : إن هذا المجاز وإن احتمل في قوله :
وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ
( الأعراف : 127 ) فذلك لأنه قد علم أنهم جميعا مستقرون على الأرض ، فهي فوقية قهر وغلبة ، لم يلزم مثله في قوله :
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ
إذ قد علم بالضرورة أنه عباده ليسوا مستويين في مكان واحد حتى تكون فوقية قهر وغلبة .