تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 559

مساهمون:

ص٥٥٩
أي ما يبدهك من وجهه ومنظره ونوره وبهائه ، وأخذه الصرصري فقال :
لو لم يقل إني رسول أما * شاهده في وجهه ينطق
فإذا كان هذا نور عبده فكيف بنوره سبحانه ، والرب تعالى هو الخالق للنور والظلمة كما استفتح سبحانه سورة الأنعام بقوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ
( الأنعام : 1 ) فاستفتح السورة بإبطال قول أهل الشرك أجمعين ، من الثنوية المجوس القائلين بأن للعالم نورين : نور وظلمة . فأخبر أنه وحده رب النور والظلمة ، وخالقهما كما أنه وحده خالق السماوات والأرض ، واللّه تعالى جعل الموجودات عاليا وسافلا ومتوسطا بينهما ، وجعل لسافلها الظلمة وهي مسكن أهل الظلمات من خلقه ، وجعل لعاليها النور ، وهو مسكن أهل النور منهم ، وجعل هذه الأرض وما فوقها إلى العلو متوسطا بينهما ، فكلما كان أقرب إلى العرش والكرسي كان أعظم نورا ، ولهذا كان فضل نور العرش والكرسي على ما تحته كفضل نور الشمس والقمر على أخفى الكواكب ، وكلما كان أقرب إلى إلى السفلي المطلق كان أشد ظلمة ، ولهذا لما كان محبس أهل الظلمات سجين كانت سوداء مظلمة لا نور فيها بوجه ، فكلما كان أقرب إلى الرب تعالى كان أعظم نورا ظاهرا وباطنا ، وكلما بعد عنه كان أشد ظلمة بحسب بعده عنه . وذكر الإمام أحمد في كتاب « الزهد » أن موسى أقام أياما لا يحدث بني إسرائيل إلا متبرقعا من النور الذي غشي وجهه حين كلمه ربه ، فلم يكن أحد ينظر إليه . فنسبة الأنوار كلها إلى نور الرب كنسبة العلوم إلى علمه ، والقوى إلى قوته ، والغنى إلى غناه ، والعزة إلى عزته ، وكذلك باقي الصفات والعبد إذا سما بصره صعودا إلى نور الشمس غشى دون إدراكه وتعذر عليه غاية التعذر ، وأي نسبة لنور الشمس إلى نور خالقها ومبدعها ، وإذا كان نور البرق يكاد يلتمع البصر ويخطفه ولا يقدر العبد على إدراكه ، فكيف بنور الحجاب فكيف بما فوقه ، والأمر أعظم من أن يصفه واصف أو يتصوره عاقل ، فتبارك اللّه رب