تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤

( فصل الرد على ابن جنى )

الوجه الحادي والخمسون : قال ابن جنى « 1 » إذا كثر ( يعنى المجاز ) ألحق بالحقيقة : اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة ، وذلك عامة الأفعال ، نحو قام زيد ، وقعد عمر ، وانطلق بشر ، وجاء الصيف ، وانهزم الشتاء ، ألا ترى أن الفعل يفاد منه معنى الجنسية ، فقولك قام زيد ، أي هذا الجنس من الفعل ، ومعلوم أنه لم يكن منه جميع القيام ، وكيف يكون ذلك وهو جنس ، والجنس يطبق جميع الماضي وجميع الحاضر وجميع الآتي الكائنات من كل من جد منه القيام ، فمعلوم أنه لا يجتمع لإنسان واحد في وقت واحد ولا في مائة ألف سنة مضاعفة القيام كله الداخل تحت الوهم . هذا محال عند كل ذي لب ، فإذا كان كذلك علمت أن قام زيد مجاز لا حقيقة ، وإنما هو على وضع الكل موضع البعض للاتباع والمبالغة ، ونسبة القليل بالكثير ، ويدل على انتظام ذلك بجميع جنسه أنك تعلمه في جميع أجزاء ذلك الفعل ، فتقول قومة قومتين وقياما حسنا وقياما قبيحا ، فإعمالك إياه في جميع أجزائه يد على أنه موضوع عندهم على صلاحه لتناول جميعها ، وإنما يعمل الفعل من المصادر فيما فيه عليه دليل ، ألا تراك لا تقول قمت جلوسا ولا ذهبت مجيئا ، ولا يجوز ذلك لما لم يكن فيه دليل عليه ، ألا ترى إلى قوله : لعمري لقد أحببتك الحب كله ، فانتظامه لجميعه يدل على وضعه على اعترافه واستيعابه . وكذلك قول الآخر :
وقد يجمع اللّه الشتيتين بعد ما * يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
فقوله كل الظن يدل على صحة ما ذهبنا إليه ، قال أبو علي : قولنا قام زيد بمنزلة قولنا خرجت فإذا الأسد ، ( تعريفه هنا ) تعريف الجنس ، كقولك :
هامش
( 1 ) ابن جنى : هو أبو الفتح عثمان بن جنى الموصلي النحوي المشهور ، كان إماما في علم العربية والنحو ، له « الخصائص » ، و « سر الصناعة » ، و « التلقين في النحو » وغيرها من الكتب المفيدة في بابها ، توفي ببغداد ( 392 ه ) ( وفيات الأعيان ) بتصرف .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 444 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي