تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 427

مساهمون:

ص٤٢٧
فإنهم أصابهم في تجريد الألفاظ عن قيودها وتركيبها ، ثم الحكم عليها مجردة بحكم ، وعليها عند تقييدها بحكم غيره ما أصاب المنطقيين ومن سلك سبيلهم من الملاحدة في تجريد المعاني وأخذها مطلقة عن كل قيد ، ثم حكموا عليها في تلك الحال بأحكام ، ورأوا وجودها الخارجي مع قيودها يستلزم ضد تلك الأحكام ، فبقوا حائرين بين إنكار الوجود الخارجي وبين إبطال تلك الحقائق التي اعتبروها مجردة مطلقة ، فصاروا تارة يثبتون تلك المجردات في الخارج مجردة مطلقة ويسمونها المثل ، أي المثالات التي تشبه الحقائق الخارجية ، وتارة يثبتونها مقارنة للمشخصات لا تفارقها ، وتارة يجعلونها جزءا من المعينات ، وتارة يرجعون إلى حكم العقل ويقولون إن وجودها ذهني لا وجود لها في الخارج ، ولا يوجد في الخارج إلا مشخص معين مختص بأحكام ولوازم لا تكون المطلوب ، وهؤلاء الذين جردوا الحقائق عن قيودها وأخذوها مطلقة أخرجوا عن مسمياتها وماهياتها جميع القيود الخارجة فلم يجعلوها داخلة في حقيقتها ، فأثبتوا إنسانا لا طويلا ولا قصيرا ، ولا أسود ولا أبيض ، ولا في زمان ولا في مكان ، ولا ساكنا ولا متحركا ، ولا هو في العالم ولا خارجه ولا له لحم ولا عظم ، ولا عصب ولا ظفر ، ولا له شخص ولا ظل ولا يوصف بصفة ولا يتقيد بقيد ، ثم رأوا الإنسان الخارجي بخلاف ذلك كله ، فقالوا هذه عوارض خارجة عن حقيقته ، وجعلوا حقيقة تلك الصورة الخيالية التي جردوها ، فهي المعنى والحقيقة عند هؤلاء الذين اعتبروها مجردة عن سائر القيود ، وجعلهم تلك الأمور التي لا تكون إنسانا في الخارج لأنها خارجة عن حقيقته كجعل هؤلاء القيود التي لا تكون اللفظ مفيدا إلا بها مقتضية لمجازه . فتأمل هذا التشابه والتناسب بين الفريقين ، هؤلاء في تجريد المعاني وهؤلاء في تجريد الألفاظ ، وتأمل ما دخل على هؤلاء من الفساد في اللفظ والمعنى ، وبسبب هذا الغلط دخل من الفساد في العلوم ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى .

( أنواع القرائن )

الوجه الأربعون : إن اللفظ لا بد أن يقترن به ما يدل على المراد به .