تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
والجواد بقرينة ، والأسد موضوع للحيوان المفترس بمجرده ، وللرجل الشجاع بقرينة . وإذا كان كذلك ارتفع المجاز في اللغة . وهذا سؤال صحيح ، ولهذا لم يجبهم عنه منازعون إلا بأنه مشترك الإلزام ، فقالوا في جوابهم : إن هذا لزمنا في التخصيص لزمكم في الاستثناء ، فإنكم تقولون في الاستثناء ما نقوله نحن في التخصيص . هذا لفظ جوابهم ، فقد اعترف الفريقان بأن القول بكون العام المخصوص حقيقة ينفي المجاز بالكلية ، ولم يكن عند القائلين جواب سوى أن هذا يلزمنا ويلزمكم جميعا ، فثبت باعتراف الفريقين لزوم نفي المجاز لكون العام المخصوص حقيقة ، وجمهور أهل الأرض على أنه حقيقة ، بل لا يعرف في ذلك خلاف متقدم البتة . فإذا كان الحق أنه حقيقة ولزمه نفي المجاز ولازم الحق حق ، فنفي المجاز هو الحق ، فهذا تقرير نفي المجاز من نفس قولهم تقريرا لا حيلة لهم في دفعه . الوجه الثاني والأربعون : إن القائلين بالمجاز قالوا - واللفظ لأبي الحسين - يعرف المجاز بالاستدلال ، وذلك بأن يسبق إلى أذهان أهل اللغة عند سماع اللفظ من غير قرينة معنى من المعاني دون معنى آخر ، فعلموا بذلك أنه حقيقة فيما سبق إلى الفهم ، لأنه لولا أنه قد اضطر السامع من قصد الواضعين إلى أنهم وضعوا اللفظ - لذلك المعنى ما سبق إلى فهمه ذلك المعنى دون غيره . فهذا الكلام يتضمن أمرين ( أحدهما ) أن يكون السابق يسبق إلى أفهام أهل اللغة دون غيرهم ، فمن لم يكن من أهل اللغة العربية التي بها نزل القرآن ، لم يكن من أهل هذه اللغة كالنبط « 1 » الذين أكثر عاداتهم استعمال كثير من الألفاظ في غير ما كانت العرب تستعمله فيها ، وحينئذ فلا عبرة بالسبق إلى أفهام النبط الذين ليسوا من هؤلاء العرب العرباء ، فأكثر القائلين بالمجاز أو كلهم ليسوا من
هامش
( 1 ) الأنباط : شعب سامي كانت له دولة في شمالي شبه الجزيرة العربية ، وعاصمتهم « سلع » ؛ وتعرف اليوم ب « البتراء » ( الوجيز ) .