تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
فيها أبدا ما دامت كذلك فالأبد استمرارهم فيها ما دامت موجودة وهو سبحانه لم يقل أنها باقية أبدا . وفرق بين الأمرين فتأمله . على أن التأبيد قد جاء في القرآن فيما هو منقطع كقوله عن اليهود
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
( البقرة : 95 ) وهذا إنما هو أبد مدة حياتهم في الدنيا ؛ وإلا فهم في النار يتمنون الموت حين يقولون
يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ
( الزخرف : 77 ) وقول العرب : لا أفعل هذا ابدا ، ولا أتزوج أبدا ، أشهر من أن تذكر شواهده وإنما يريدون مدة منقطعة . وهي أبد الحياة ومدة عمرهم فهكذا الأبد في العذاب وهو أبد مدة بقاء النار ودوامها . الوجه الرابع عشر : أنه لو كانت دار الشقاء دائمة دوام دار النعيم وعذاب أهلها فيها مساويا لنعيم أهل الجنة بدوامه لم تكن الرحمة غالبة للغضب بل يكون الغضب قد غلب الرحمة ، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء ملزومه . والشأن في بيان الملازمة ، وأما انتفاء اللازم فظاهر . وقد دل عليه الحديث المتفق علي صحته من حديث أبي هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لما قضى اللّه الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبى » « 1 » وبيان الملازمة أن المعذبين في دار الشقاء أضعاف أضعاف أهل النعيم ، كما ثبت في « الصحيحين » « إن اللّه تعالى يقول : يا آدم ، فيقول : لبيك وسعديك والخير في يديك ، فيقول : إن اللّه يأمرك أن تبعث من ذريتك بعث النار ، فيقول : ربي ، وما بعث النار ؟ فيقول : من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد في الجنة ، فقال الصحابة : يا رسول اللّه وأينا ذلك الواحد ؟ فقال : « إن معكم خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه : يأجوج ومأجوج » « 2 » فعلى هذا أهل الجنة عشر عشر أهل النار وإنما دخلوها بالغضب ؛ فلو دام هذا العذاب دوام النعيم وساواه في وجوده لكانت الغلبة للغضب . وهذا بخلاف ما إذا كانت الرحمة هي الغالبة فإن غلبتها تقتضى نقصان عدد المعذبين أو مدتهم .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه وهو في « الصحيحين » . ( 2 ) رواه البخاري ( 3348 ) ، ومسلم ( 222 ) .