تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
وتأمل قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث الشفاعة « إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله » « 1 » ، فإذا كان ذات الغضب الشديد لا يدوم ولا يستمر بل يزول ، وهو الذي سعر النار ؛ فإنها إنما سعرت بغضب الجبار تبارك وتعالى فإذا زال السبب الذي سعرها ، فكيف لا تطفأ ؛ وقد طفئ غضب الرب وزال ، وهذا بخلاف رضاه فإنه من لوازم ذاته دائما بدوامها ؛ ولهذا دام نعيم أهل الجنة والرضى ، كما يقول لهم في الجنة « إني أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا » « 2 » فكيف يساوي بين موجب رضاه وموجب سخطه في الدوام ولم يستو الموجبان . الوجه الثاني عشر : إنه كما قيد الغضب الشديد بذلك اليوم قيد العذاب المرتب عليه به كما في قوله :
فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
( الزخرف : 65 ) وقوله :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ
( مريم : 37 ) فجعل العذاب والمشهد واقعين في ذلك اليوم العظيم ، بل جعل العذاب يوم العذاب أبدا ، ولا يقال في الشيء الأبدي الذي لا يفنى ولا يبيد إنه عمل يوم وطعام يوم وعذاب يوم ، ولم ينتقض هذا بقوله سبحانه :
وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ
( القمر : 38 ) ، ولا بقوله :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
( القمر : 19 ) ، فإن استقراره واستمراره لا يقتضي أبديته لغة ولا عرفا ولا عقلا ، وقد أخبر سبحانه عن بطن الأم أنه مستقر الجنين بقوله
وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ
( الحج : 5 ) ، وقال تعالى :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
( الأنعام : 98 ) سواء كان المستقر صلب الأب والمستودع بطن الأم أو عكس ذلك . أو دار الدنيا ودار البرزخ كما هي أقوال المفسرين في الآية . فالمستقر لا يدل على أنه أبدي ؛ وكذلك المستمر لا يدل على الأبدية ، فاستقرار كل شيء واستمراره
هامش
( 1 ) رواه البخاري ( 4476 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 6549 ) ، ومسلم ( 2829 ) .