تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
مخصوص . فكان ذكر الخاص أبلغ في العموم وقصده من ذكر العام فتأوله فإنه أسلوب عجيب في القرآن . والمقصود أن سبب الحسنات كلها هو الحي القيوم الذي لم يزل ولا يزال ، وهو الغاية المقصودة من فعلها فتدوم بدوام سببها ، وأما السيئات فسببها وغايتها منقطع هالك فلا يجب دوامها ، فتأمل هذا الوجه فإنه من ألطف الوجوه ، فإن الأسباب تضمحل باضمحلال غاياتها وتبطل ببطلانها . ولهذا كان كل عمل باطلا إلا ما أريد به وجه اللّه . فإن جزاءه وثوابه يدوم بدوامه ، ما لم يرد به وجه اللّه وأريد به ما يضمحل ويفنى فإنه يفنى بفنائه ؛ قال اللّه تعالى :
وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً
( الفرقان : 23 ) وهذه هي الأعمال التي كانت لغيره ، فكما أن ما لا يكون به لا يكون ، فما كان لغيره لا يدوم ، ولهذا كان لبعض حكم اللّه تعالى في تخريب هذا العالم أن تشهد من عبد شيئا غيره أنه لا يصلح للعبادة والألوهية ويشهد العابد حال معبوده . والمقصود أن النعم تدوم بدوام سببها وغايتها ، وأن الشرور والآلام تبطل وتضمحل باضمحلال سببها . فهذه الوجوه وغيرها تبين أن الحكمة والمصلحة في خلق النار تقتضى بقاءها ببقاء السبب والحكمة التي خلقت له ؛ فإذا زال السبب وحصلت الحكمة عاد الأمر إلى الرحمة السابقة الغالبة الواسعة . يزيده وضوحا الوجه الحادي عشر : أن الرب يستحيل أن يكون إلا رحيما ، فرحمته من لوازم ذاته ، ولهذا كتب على نفسه الرحمة ، ولم يكتب على نفسه الغضب ، فهو لم يزل ولا يزال رحيما ، ولا يجوز أن يقال إنه لم يزل ولا يزال غضبان ، ولا أن غضبه من لوازم ذاته ، ولا أنه كتب على نفسه العقوبة والغضب ولا أن غضبه يغلب رحمته ويسبقها « 1 » .
هامش
( 1 ) تقدم الحديث الذي رواه البخاري وفيه : « إن رحمتي سبقت غضبى » . وعنده أيضا بلفظ : « تغلب غضبي » .