تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
بغير تقدم عمل منهم ولا معرفة ولا إقرار ، فما المانع أن تدرك رحمته من قد أقر ( به ) في دار الدنيا ، واعترف باللّه ربه ومالكه ، واكتسب ما أوجب غضبه عليه ، فعاقبه بما اكتسبه ، وعرفه حقيقة ما اجترحه وأشهده أنه كان كاذبا مبطلا ، وأن رسله هم الصادقون المحقون ؛ فشهد ذلك وأقر على نفسه وتقطعت نفسه حسرة وندما ؛ وأخرجت النار منه خبثه كما يخرج الكير خبث الحديد . ولا يقال الخبث لا يفارقهم والإصرار لا يزول عنهم ؛ كما قال تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
( الأنعام : 28 ) فإن هذا ليس في حكم الطبيعة الحيوانية . ولهذا في الدنيا لما يمسهم العذاب تجد عقدة الإصرار قد انحلت عنهم وانكسرت نخوة الباطل ولكن لم تطهر قلوبهم بذلك وحده . وأما قوله تعالى :
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
فذلك قبل دخول النار فقالوا
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ ، وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
( الأنعام : 27 - 28 ) وهذا إخبار عن حالهم قبل أن يدخلوا النار ، وقبل أن تذيب لحومهم ونفوسهم التي نشأت على الكفر ؛ فالخبث بعد كامن فيها ؛ فلو ردوا والحالة هذه لعادوا لما نهوا عنه ، والحكمة والرحمة تقتضى أن النار تأكل تلك اللحوم التي نشأت من أكل الحرام ، وتنضج تلك الجلود التي باشرت محارم اللّه تعالى ، وتطلع على الأفئدة التي أشركت به وعبدت معه غيره . فتسليط النار على هذه القلوب والأبدان من غاية الحكمة ؛ حتى إذا أخذت المسألة حقها وأخذت العقوبة منهم مأخذها وعادوا إلى ما فطروا عليه ، وزال ذلك الخبث والشر الطارئ على الفطرة ، والعزيز الحكيم حينئذ حكم هو أعلم به ، وهو الفعال لما يريد . والوجه السابع عشر : إن أبدية النار كأبدية الجنة ، إما أن يتلقى القول بذلك من القرآن أو من السنة أو من إجماع الأمة ، أو من أدلة العقول أو من القياس على الجنة . والجميع منتف . أما القرآن فإنما يدل على أنهم غير خارجين منها ؛ فمن أين يدل على دوامها وبقاء أبديتها ؟ فهذا كتاب اللّه وسنة رسوله أرونا ذلك منهما