تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
أسباب التلف والهلاك واقتضت الرحمة أن جعل لها أسبابا في مقابلتها من موجبها ومقتضاها تزيلها ومحو أثرها ليخلص موجب الرحمة فيظهر أثره ، ودوام العذاب بدوام تلك الأسباب فلو زالت لزال العذاب . يوضحه الوجه التاسع : إن هذه النفوس فيها ما يقتضي الرحمة من إقرارها بفاطرها وربوبيته . وعلمه وقدرته ، وسمعه وبصره ومحبته ، وتعظيمه وإجلاله وسؤاله وفيها ما يقتضي الغضب والعقوبة كالشرك به وإيثار هواها على طاعته ومرضاته ولما كان مقتضى العقوبة فيها أقوى كان الحكم له ، ومعلوم أن العقوبة إن لم تذهب الأسباب المقتضية لها ولم تزلها بالكلية فإنها تخففها وتضعفها . فإما أن تقاوم أسباب وإما أن تترجح عليها وعلى التقديرين يبطل أثرها . قال اللّه تعالى :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
( لقمان : 25 ) وقال تعالى :
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ؟ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
( المؤمنون : 84 ، 85 ) إلى آخر الآيات فهم يعلمون أن الأرض ومن فيها له وأنه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم ، وأن بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه ، وإذا مسهم الضر في البر والبحر تضرعوا إليه وفزعوا إليه وقالوا : إنما نعبد من دونه هذه الآلهة لتقربنا إليه وتشفع لنا عنده وهو يملكها ونواصيها بيده ، ويحبونه ويقصدون التقرب إليه ، وهذا مما وضعه فيهم برحمته ونعمه ، فعلم فيهم ما يقتضي رحمته ونعمته ولكن لمت غلبت أسباب النقمة كان الحكم للغالب ، ذلك لا يمنع اقتضاء المغلوب أثره وترتبه عليه . وقد ثبت في « الصحيح » إن اللّه يقول للملائكة : أخرجوا من النار من في قلبه من الخير ما يزن ذرة أو برة « 1 » وأنها تخرج منها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان » ، فانظر هذا الجزء اللطيف جدا كيف غلب تلك الأسباب الكثيرة القوية وأبطلها وعاد الحكم له . وثبت في « الصحيحين » « أنه يخرج منها من لم يعمل خيرا قط » « 2 » ولكن هذا إخراج منها وهي باقية على حقيقتها وناريتها ، فأخرج منها
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 44 ) وفي عدة أماكن أخرى في « صحيحه » ، ورواه مسلم في ( الإيمان / 325 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3478 ) ، ومسلم ( 2766 ) .