تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 356

مساهمون:

ص٣٥٦
فهذا القدر من وجده في قلبه في الدنيا لم يدخل دار الشقاء إلا تحلة القسم ، ومن لم يظهر له هذا في الدنيا فإنه سيعلمه في الآخرة كما قال تعالى :
فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ
( الملك : 11 ) ، وقال :
فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ
( القصص : 75 ) ، وقال تعالى :
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
( غافر : 11 ) فلا شيء أنفع لهم في عذابه من حمده والثناء عليه ، ومحبته على كمال عدله فيهم ، وقولهم : إن كان هذا رضاك فلا نطلب غيره ، ويشتد غضبهم على نفوسهم ، ومقتهم لها ، موافقة لغضب ربهم ومولاهم ، ولكن هذا القدر لا تسمح به النفوس اللئيمة الجاهلة الظالمة اختيارا فإذا عوقبت بما تستحق وبلغ منها العذاب مبلغه وكسرها وأذلها ، فإن أراد بها خيرا أشهدها ذلك وجعله حاضرا عندها ، فالرحمة حينئذ أدنى إليها من العقوبة ، والعفو أقرب إليها من الانتقام ، فإذا أراد بها بارئها وفاطرها أن يرحمها ألهمها ذلك فانتقلت به من حال إلى حال فإن شاء أنشأها بعد ذلك نشأة أخرى ؛ وطبعها على غير طبيعتها الأولى ، فهو على كل شيء قدير ؛ وهو الحكيم العليم ؛ فلا يظن به من ساء فهمه أن هذا يناقض ما أخبر اللّه ورسوله به ، واتفق عليه سلف الأمة أنهم مخلدون في النار ؛ وما هم منها بمخرجين : وكلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها ، فمن رد كذلك وكذبه فهو كافر جاحد لما علم بالاضطرار أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أخبر به ؛ فليس في هذا نظر ولا شك ، وإنما الشأن في كون النار أبدية كالجنة لا تفنى أبدا وإلا فمتى دامت نارا فهم فيها خالدون . * * *

فصل

ولنرجع إلى المقصود ، وهو أن الذين قالوا : عذب الكفار مصلحة لهم ورحمة لهم حاموا حول هذا المعنى ، ولم يقتحموا لجته ، وإلا فأي مصلحة لهم في عذاب لا ينقطع ، وهو دائم بدون الرب تعالى ، فتأمل هذا الوجه حق التأمل واعطه حقه من النظر ، واجمع بين ذلك وبين معاني أسمائه وصفاته ؛ وما