فعند أهل السنة الجميع قضاؤه والجميع عدل منه في عبده ، لا بمعنى كونه متصرفا فيه بمجرد القدرة والمشيئة ، بل بوضع القضاء في موضعه وإصابة محله ،
هامش
- وعلى الجبرية : الذين يقولون : كل مقدور عدل ، فلا يبقى لقوله « عدل في قضاؤك » فائدة ، فإن العدل عندهم كل ما يمكن فعله ، والظلم هو المحال لذاته ، فكأنه قال : ماض ونافذ في قضاؤك ، وهذا هو الأول بعينه .
وقوله : « أسألك بكل اسم » . . . إلى آخره ، توسل إليه سبحانه بأسمائه ، ما علم العبد منها وما لم يعلم ، وهذه أحب الوسائل إليه فإنها وسيلة بصفاته وأفعاله التي هي مدلول أسمائه .
وقوله : « أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري » ، الربيع : المطر الّذي يحيى الأرض شبه القرآن به الحياة القلوب به ، وكذلك شبهه اللّه بالمطر ، وجميع بين الماء الّذي تحصل به الحياة والنور الّذي تحصل به الإضاءة والإشراق ، كما جمع بينهما سبحانه في قوله :أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ( الرعد : 17 ) . وفي قوله :مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ( البقرة 17 ) ثم قال :أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ( البقرة : 19 ) وفي قوله :اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ . . .الآيات ( النور :
17 ) ثم قال :أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ( النور : 43 ) .
فتضمن الدعاء أن يحيى قلبه بربيع القرآن ، وأن ينور به صدره ، فتجتمع له الحياة والنور ، قال تعالىأَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها( الأنعام : 122 ) .
ولما كان الصدر أوسع من القلب كان النور الحاصل له يسرى منه إلى القلب لأنه قد حصل لما هو أوسع منه ، ولما كانت حياة البدن والجوارح كلها بحياة القلب تسرى الحياة منه إلى الصدر ، ثم إلى الجوارح ، سأل الحياة له بالربيع الذي هو مادتها ، ولما كان الحزن والهم والغم يضاد حياة القلب واستنارته ، سأل أن يكون ذهابها بالقرآن فإنها أحرى أن لا تعود ، وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحة أو دنيا أو جاه أو زوجة أو ولد فإنها تعود بذهاب ذلك ، والمكروه الوارد على القلب إن كان من أمر ماض أحدث الحزن ، وإن كان في مستقبل أحدث الهم ، وإن كان من أمر حاضر أحدث الغم ، واللّه أعلم .