تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
غيره فيه وأنه جعل الأسباب مقتضيات لغاياتها ، وألق من قولهم إنكارهم خلقه لأفعال عباده وإنكار عود الحكمة إليه وقياس أفعاله على أفعال عباده . والفلاسفة فيما أصّلوه من أن تعطيل أسباب الخيرات والمصالح العظيمة لما في ضمنها من الشرور والآلام الجزئية مناف للحكمة ، فهذا أصل في غاية الصحة لكن أخطئوا في ذلك أعظم خطأ ، وهو جعلهم ذلك من لوازم الطبيعة المجردة من غير أن تكون متعلقة بفاعل مختار قدر ذلك بمشيئته وقدرته واختياره ، ولو شاء لكان الأمر على خلاف ذلك كما يكون في الجنة ، فإنها مشتملة على الخيرات المحضة البريئة من هذه العوارض من كل وجه ، فاقتضت حكمته أن تكون هذه الدار على ما هي عليه ؛ ممزوجا خيرها بشرها ، ولذاتها بآلامها ، وأن تكون دار القرار خالصة من شوائب الآلام والشرور خلاصا تاما ، وأن تكون دار الشقاء خالصة للآلام والشرور ، وإذا جمعت حق هذه الطائفة وأثبت للّه تعالى صفات الكمال ، وأنه يحب ويحب ، ويفرح بتوبة عباده وطاعتهم ويرضى بها ، ويضحك ، ويثنى عليهم بها ويحب أن يثنى عليه ويحمد ويشكر ، ويفعل ما له في فعله غاية وحكمة يحبها ويرضاها ، فيفعل لأجلها ، كنت أسعد بالحق من هؤلاء . * * *

( فصل ) ذوو الأرواح الذين يلحقهم اللذة والآلام أربعة أصناف : الإنس ، والجن والبهائم ، والملائكة ، عند من يقول أن فيهم من يعصى ويعاقب .

فأما الإنس والجن : فالمكلفون منهم يحصل لهم بالطاعات والمعاصي لذات وآلام تناسبها . وأما الأطفال والمجانين فنوعان : نوع يدخلون الجنة إما بطريق التبعية أو بعد التكليف يوم القيامة . كما جاءت به الآثار ، فهؤلاء إذا حصل لهم آلام يسيرة منقطعة كانت مصلحة لهم ورحمة ونعمة في جنب ما ينالهم من
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 318 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي