تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
وأما الفلاسفة : فإنهم جعلوا ذلك من لازم الخلقة فيه ومقتضيات النشأة الحيوانية . وقالوا ليس في الإمكان إلا ذلك . ولو فرض غير ذلك لكان غير هذا العالم ، فإن تركيب الحيوان الّذي يكون ويفسد يقتضي أن تعرض له الآلام كما يعرض له الجوع والعطش والضجر ونحوها . وقالوا رفع هذا بالكلية إنما يكون برفع أسبابه ، والخير الّذي في أسبابه أضعاف أضعاف الشر الحاصل بها ، فاحتمال الشر القليل الجزئي في جنب المصلحة العامة الكلية أولى من تعطيل الخير الكثير لما يستلزمه من المفسدة اليسيرة الجزئية . قالوا ومن تأمل أسباب الآلام وجد ما في ضمنها من الملذات والخيرات والمصالح أضعاف أضعاف ما في ضمنها من الشرور كالحر والبرد والمطر والثلج والريح وتناول الأغذية والفواكه وأنواع الأطعمة . وصنوف المناكح ، وأنواع الأعمال والحركات ، فإن الآلام إنما تتولد غالبها عن هذه الأمور مصالحها ولذتها وخيراتها أكثر من مفاسدها وشرورها وآلامها . وهذه الطرق الثلاثة سلكها طوائف من المسلمين ، وفي كل طريق منها حق وباطل ، فإذا أخذت من طريق حقها ورميت باطلها كنت أسعد الناس بالحق ، وأصحاب المشيئة المحضة أصابوا في إثبات عموم المشيئة والقدرة ، وأنه لا يقع في الكون شيء إلا بمشيئته ، فخذ من قولهم هذا القدر وألق منه إبطال الأسباب والحكم والتعليل ومراعاة مصالح الخلق . والقدرية أصابوا في إثبات ذلك وأخطئوا في مواضع ، أحدها : إخراج أفعال عباده عن ملكه وقدرته ومشيئته . الثاني : تعطيلهم عود الحكمة والغاية المطلوبة إلى الفاعل ، وإنما أثبتوا أنواع حكمة تعود إلى المفعول لا إلى الفاعل ، والثالث : أنهم شبهوا اللّه بخلقه فيما يحسن منهم وما يقبح فقاسوه في أفعاله على خلقه ، واعتبروا حكمته بالحكمة التي لعباده ، فخذ من قولهم إنه حكيم لا يفعل إلا لمصلحة وحكمة ، وأنه لا يفعل الظلم مع قدرته عليه ، بل تنزه عنه لغناه وكماله ، وأنه لا يعاقب أحدا بغير ذنب ولا يعاقبه بما لا يفعله . فضلا عن أن يعاقبه بفعل هو فعله فيه أو فعل
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 317 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي