تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
يتصرف بنفسه ، ولا يفعل شيئا ولا يتكلم ، ولا له وجه ولا يد ولا قوة ، ولا فضيلة من الفضائل . أنه لا شبه له ولا مثل له ؛ وأنه وحيد دهره ، وفريد عصره ، ونسيج وحده ؟ هل فطر اللّه الأمم وأطلق ألسنتهم ولغاتهم إلا على ضد ذلك ؟ وهل كان رب العالمين أهل الثناء والمجد إلا بأوصاف كماله ونعوت جلاله وأفعاله وأسمائه الحسنى ؟ وإلا فلما ذا يثني عليه المثنون ؛ ولأي شيء يقول أعرف الخلق به « لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » ومعلوم أن هذا الثناء الّذي أخبر أنه لا يحصيه لو كان بالنفي لكان هؤلاء أعلم به منه وأشد إحصاء له ؛ فإنهم نفوا عنه حقائق الأسماء والصفات نفيا مفصلا . وذلك يحصيه المحصي بلا كلفة ولا تعب . وقد فصله النفاة وأحصوه وحصروه . يوضحه : الوجه الرابع والثلاثون : إن اللّه سبحانه لما نفى عن نفسه ما يناقض الإثبات ويضاد ثبوت الصفات والأفعال ؛ فلم يبق الأمر عدميا أو ما المستلزم العدم ؛ كنفي السّنة والنوم المستلزم لعدم كمال الحياة والقيومية ، ونفي العزوب والخفاء المستلزم لنفي كمال القدرة . ونفي الظلم المستلزم لعدم كمال الغنى والعدل ، ونفي الشريك والظهير والشفيع المتقدم بالشفاعة المستزلم لعدم كمال الغنى والقهر والملك ؛ ونفي الشبيه والمثيل والكف المستلزم لعدم الكمال المطلق ونفي إدراك الأبصار له وإحاطة العلم به المستلزمين لعدم كمال عظمته وكبريائه وسعته وإحاطته . وكذلك نفي الحاجة والأكل والشرب عنه سبحانه ؛ لاستلزام ذلك عدم كمال غناه ؛ وإذا كان نفى عن نفسه العدم أو ما يستلزم العدم ؛ علم أنه أحق بكل وجود وثبوت لا يستلزم عدما ولا نقصا . وهذا هو الذي دل عليه صريح العقل ؛ فإنه سبحانه له الوجود الدائم القديم الواجب بنفسه الذي لم يستفده من غيره ؛ ووجود كل موجود مفتقر إليه ؛ ومتوقف في تحقيقه عليه ، والكمال وجود كله ؛ والعدم نقص كله . فإن العدم كاسمه لا شيء ؛ فعاد النفي الصحيح إلى نفي المماثلة في الكمال وعاد الأمران إلى نفي النقص . وحقيقة ذلك نفي العدم وما يستلزم نفي العدم . فتأمل هل نفى القرآن والسنة عنه سبحانه سوى ذلك ؟ وتأمل ؛ هل ينفي العقل الصحيح غير ذلك .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 223 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي