تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
يسمع ، ولا يبصر ، ولا يعلم ، ولا يقدر ، تحقيقا لمعنى ( ليس كمثله شيء ) وقال إخوانكم من الملاحدة : ليس له ذات أصلا ، تحقيقا لهذا النفي . وقال غلاتهم : لا وجود له . تحقيقا لهذا النفي . وأما الرسل وأتباعهم فإنهم قالوا : إن اللّه حي وله حياة ، وليس كمثله شيء في حياته وهو قوي ، وله القوة وليس كمثله شيء في قوته
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
يسمع ويبصر . وليس كمثله شيء في سمعه وبصره . ومتكلم . وله يدان . ومستو على عرشه . وليس له في هذه الصفات مثل . فهذا النفي لا يتحقق إلا بإثبات صفات الكمال فإنه مدح له وثناء أثنى به على نفسه . والعدم المحض لا يمدح به أحد ولا يكون كمالا له ، بل هو أنقص النقص . وإنما يكون كمالا إذا تضمن الإثبات كقوله تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
( جزء من آية الكرسي / سورة البقرة : 225 ) لكمال حياته وقيوميه ، وقوله
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
لكمال غناه وملكه وربوبيته . وقوله
وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
لكمال غناه وعدله ورحمته ، وقوله
وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ
لكمال قدرته ، وقوله
وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
لكمال علمه وقوله
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ
لعظمته وإحاطته بما سواه ، وأنه أكبر من كل شيء ، وأنه واسع ؛ وفيرى ولكن لا يحاط به إدراكا ؛ كما يعلم ولا يحاط به علما فيرى ولا يحاط به رؤية ، وهكذا ليس كمثله شيء هو متضمن لإثبات جميع صفات الكمال على وجه الإجماع . وهذا القول هو المعقول في فطر الناس . فإذا قالوا فلان عديم المثل أو قد أصبح ولا مثل له في الناس . أو ماله شبيه ولا من يكافيه ، فإنما يريدون بذلك أنه تفرد من الصفات والأفعال والمجد بما لا يلحقه فيه غيره . فصار واحدا في الجنس لا مثيل له . ولو أطلقوا ذلك عليه باعتبار نفي صفاته وأفعاله ومجده لكان ذلك عندهم غاية الذم والنقص له . فإذا أطلقوا ذلك في سياق المدح والثناء لم يشك عاقل في أنه إنما أراد كثرة أوصافه وأفعاله وأسمائه التي لها حقائق تحمل عليها . فهل يقول عاقل لمن لا قدرة له ولا علم ولا بصر ولا