تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
ذلك إليهم ، بل هو حقيقة قولهم ، فأي حمد لمن يسمع ولا يبصر ، ولا يعلم ولا يتكلم ولا يفعل ، ولا هو في العالم ولا خارج عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه ، ولا فوقه ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ؟ وأي نعمة لمن لا يقوم به فعل البتة ؟ وأي مالك لمن لا وصف له ولا فعل ؟ فانظر إلى توحيد الرسل وتوحيد من خالفهم . ومن العجب أنهم سموا توحيد الرسل شركا وتجسيما وتشبيها مع أنه غاية الكمال ، سموا تعطيلهم وإلحادهم وبغيهم توحيدا ، وهو غاية النقص ؛ ونسبوا أتباع الرسل إلى تنقيص الرب وقد سلبوه كل كمال ، وزعموا أنهم أثبتوا له الكمال قد نزهوه عنه ، فهذا توحيد الجهمية والمعطلة . وأما توحيد الرسل فهو إثبات صفات الكمال له وإثبات كونه فاعلا بمشيئته وقدرته واختياره ، وإن له فعلا حقيقة . وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد ويخاف ويرجى ويتوكل عليه ؛ فهو المستحق لغاية الحب بغاية الذل ، وليس لخلقه من دونه وكيل ، ولا ولي ، ولا شفيع ، ولا واسطة بينه وبينهم في رفع حوائجهم إليه ، وفي تفريج كرباتهم وإجابة دعواتهم . بينه وبينهم واسطة في تبليغ أمره ونهيه وأخباره ؛ فلا يعرفون ما يحبه ويرضاه ويبغضه ويسخطه ؛ ولا حقائق أسمائه وتفصيل ما يحب له ويمتنع عليه ويوصف به إلا من جهة هذه الواسطة ، فجاء هؤلاء الملاحدة فعكسوا الأمر وقلبوا الحقائق ؛ فنفوا كون الرسل وسائط في ذلك وقالوا : يكفي توسط العقل ، ونفوا حقائق أسمائه وصفاته وقالوا : هذا التوحيد ، ويقولون : نحن ننزه اللّه عن الأعراض والأبعاض والحدود والجهات ، وحلول الحوادث ، فيسمع الغر المخدوع هذه الألفاظ فيتوهم منها أنهم ينزهون اللّه عما يفهم من معانيها عند الإطلاق والنقائص والحاجة ، فلا يشك أنهم يمجدونه ويعظمونه ، ويكشف النافذ البصير ما تحت هذه الألفاظ فيرى تحتها الإلحاد وتكذيب الرسل ، وتعطيل الرب تعالى عما يستحقه من كماله .