ومن ذلك قول هؤلاء : أخص صفات الإله ؛ القديم . فإذا أثبتم له صفات قديمة لزم أن تكون آلهة قديمة ، ولا يكون الإله واحدا .
فيقال هؤلاء المدلسين الملبسين على أمثالهم من أشباه الأنعام : المحذور الذي نفاه العقل والشرع والفطرة ، وأجمعت الأنبياء على بطلانه ؛ أن يكون مع اللّه آلهة أخرى ؛ إلا أن يكون إله العالمين الواحد القهار حيا قيوما سميعا بصيرا متكلما آمرا ناهيا فوق عرشه ، له الأسماء الحسنى والصفات والعلى . فلم ينف العقل والشرع والفطرة أن يكون للإله الواحد صفات كمال يختص بها لذاته .
( لفظ الجسم لم يأت به الوحي ولا أثبته أهل السنة )
واعلم أن لفظ الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فيكون له الإثبات ، ولا نفيا فيكون له النفي . فمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به ، فإن قال : أردت بالجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه فلا يقال للهوى جسم لغة ولا للنار ولا للماء . فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا ، فهذا المعنى منفي عن اللّه عقلا وسمعا . وإن أردتم به المركب من المادة والصورة ، والمركب من الجواهر الفردة ، فهذا منفي عن اللّه قطعا ، والصواب نفيه عن الممكنات أيضا . فليس الجسم المخلوق مركبا من هذا ولا من هذا ، وإن أردتم بالجسم ما يوصف بالصفات ويرى بالأبصار ويتكلم ويكلم ويسمع ويبصر ويرضى ويغضب ، فهذه المعاني ثابتة للّه تعالى وهو موصوف بها ، فلا ننفيها عنه بتسميتكم للموصوف بها جسما ، كما إنا لا نسب الصحابة لأجل تسمية الروافض لمن يحبهم ويواليهم نواصبا ، ولا ننفي قدر الرب ونكذب به لأجل تسمية القدرية لمن أثبته جبريا ، ولا نرد ما أخبر به الصادق عن اللّه وأسمائه وصفاته وأفعاله لتسمية أعداء الحديث لنا حشوية ، ولا نجحد صفات خالقنا وعلوه على خلقه واستواءه على عرشه لتسمية الفرعونية المعطلة لمن أثبت ذلك مجسما مشبها :
فإن كان تجسيما ثبوت استوائه * على عرشه إني إذا لمجسم
وإن كان تشبيها ثبوت صفاته * فمن ذلك التشبيه لا أتكتم