خبره ؛ وأما خبر العقل عن اللّه بما يضاد ذلك بأن اللّه وضع فيه ذلك وعلمه إياه فلم يشهد له الرسول بصحة هذا الخبر ، بل شهد ببطلانه فليس معه إلا شهادته لنفسه بأنه صادق فيما أخبره به ، فكيف تقبل شهادته لنفسه مع عدم شهادة الرسول ، فكيف مع تكذيبه إياه ؟ فكيف مع تكذيب العقل الصريح المؤيد بنور الوحي ؟ فكيف مع اختلاف سائر أصحابه وتكاذبهم وتناقضهم ؟ يزيده إيضاحا .
الثالث والعشرون : وهو أن الأدلة السمعية نوعان : نوع دل بطريق التنبيه والإرشاد على الدليل العقلي ، فهو عقلي سمعي . فمن هذا غالب أدلة النبوة والمعاد والصفات والتوحيد وما لا يقوم التنبيه على الدليل العقلي منه فهو يسير جدا . وإذا تدبرت القرآن رأيت هذا أغلب النوعين عليه وهذا النوع يمتنع أن يقوم دليل صحيح على معارضته لاستلزامه مدلوله ، وانتقال الذهن فيه من الدليل إلى المدلول ضرورة . وهو أصل النوع الثاني الدال بمجرد الخبر ، والقدح في النوعين بالعقل ممتنع بالضرورة : أما الأول فلما تقدم ، وأما الثاني فلاستلزام القدح فيه :
القدح في العقل الذي أثبته ؛ وإذا بطل العقل الذي أثبت السمع ؛ بطل ما عارضه من العقليات كما تقدم تقريره . يوضحه :
الوجه الرابع والعشرون : أنه ليس في القرآن صفة إلا وقد دل العقل الصريح على إثباتها للّه تعالى ؛ فقد تواطأ عليها دليل العقل والسمع . فلا يمكن أن يعارض ثبوتها دليل صحيح البتة ، لا عقلي ولا سمعي . بل إن كان المعارض سمعيا كان كذبا مفترى أو مما أخطأ المعارض به في فهمه . وإن كان عقليا فهي شبهة خيالية .
واعلم أن هذه دعوى عظيمة ينكرها كل جهمي وناف وفيلسوف ، ويعرفها من نور اللّه قلبه بالإيمان وباشر قلبه معرفة الذي دعت إليه الرسل ؛ وأقرت به الفطر ، وشهدت به العقول الصحيحة المستقيمة لا المنكوسة المركوسة . وقد نبه سبحانه في كتابه على ذلك في غير موضع ، وبين أن ما وصف به نفسه هو الكمال الذي لا يستحقه سواه ، فجاحده جاحد لكمال الرب تعالى . فإنه تمدح بكل صفة وصف بها نفسه وأثنى بها على نفسه ، ومجد بها نفسه ، وحمد بها نفسه ، فذكرها سبحانه على وجه المدحة له والتعظيم والتمجيد ، وتعرف بها إلى عباده
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 176
مساهمون: ابن قيم الجوزية
ص١٧٦