حتى بلغت مئات الألوف ( 1 ) مما جعل الحافظ الدارقطني يقول : إن الحديث
الصحيح في الحديث الكذب كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ( 2 ) .
وقد أفزعت هذه الكثرة العلماء فنهضوا لكشف القناع عن الأحاديث الموضوعة ،
ووضعوا فيها المؤلفات الكثيرة ، ومن أشهر من تجرد لذلك ابن الجوزي السيوطي
والصاغاني والملا علي القاري وغيرهم .
وقد عرض الدكتور أحمد أمين رحمه الله لأمر كثرة الأحاديث هذه فقال ( 3 ) :
" ومن الغريب أننا لو اتخذنا رسما بيانيا للحديث لكان شكل " هرم " طرفه
المدبب هو عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) ثم يأخذ في السعة على مر الزمان ،
حتى نصل إلى القاعدة أبعد ما نكون على عهد الرسول - مع أن المعقول كان
العكس . فصحابة رسول الله أعرف الناس بحديثه ، ثم يقل الحديث بموت بعضهم
مع عدم الراوي عنه وهكذا ، ولكنا نرى أن أحاديث العهد الأموي أكثر من
أحاديث عهد الخلفاء الراشدين ، وأحاديث العصر العباسي أكثر من أحاديث العهد
الأموي .
هامش
( 1 ) قال الإمام أحمد في مسنده : هذا كتاب جمعته وانتقيته من 750 ألف حديث : وقال
أبو بكر محمد بن عمر الرازي الحافظ : كان أبو زرعة يحفظ 700 ألف حديث ، وكان يحفظ 140 ألف
حديث في التفسير ، واختار مالك الموطأ من مائة ألف حديث ، وسترى عند الكلام عن البخاري أنه اختار
كتابه من 600 ألف حديث ، وأن مسلما قد اختار كتابه كذلك من 600 ألف حديث ، وأن أبا داود قد
كتب عن رسول الله 500 ألف حديث - وعلى أنهم قد رووا عشرات الآلاف من الأحاديث في التفسير فإن
ابن تيمية قد ذكر في كتابه " في أصول التفسير " أن الإمام أحمد قد قال : ثلاثة أمور ليس لها إسناد :
التفسير والملاحم والمغازي ( ص 14 ) . ولذلك قال شعبة : تسعة أعشار الحديث كذب .
ونأتي هنا بكلمة قيمة من كتاب " وجهة الإسلام " الذي ترجمه الأستاذ محمد عبد الهادي أبو ريدة
منقولة عن كتاب " روح الإسلام " الذي ألفه سيد أمير علي للدفاع عن الإسلام : " إن الإصلاح يجب أن
يسبقه التعليم وتحرر العقل من القيود ويجب أن نطرح التمسك بالظواهر تمسكا صوريا ، لأنه أصبح عديم
الأثر ، ويجب أن تكون أحكامنا صادرة عن استعمال العقل ، وعما نستشعر أنه حق وملائم في ظرف ما . للإسلام
قدرة على صبغ ما عداه بصبغته وسيبقى جوهره ، وإن تغير مظهره - ولو أن الأئمة كانوا أحرارا في استعمال
رأيهم ونبذوا بشجاعة خمسمائة ألف من الأحاديث واستبقوا منها ثمانية آلاف إذا لجعلنا لأنفسنا مثل هذه
الحرية ، ولماذا يظن إنسان أن الإسلام صار مسبوكا في قالب لا يتغير بعد الإجماع على الكتب السنة ؟
ص 126 .
( 2 ) ص 215 من كتاب الإسلام الصحيح .
( 3 ) ص 128 و 129 ج 2 ضحى الإسلام .